يجلس نَقّار وصَرصار معًا خارج بيت صغير دافئ الإضاءة. ويعبر درب متعرّج الوادي المظلم تحت النجوم.

عندما كانت الآلات صغيرة

حكايات للأطفال والعقول المفكّرة

أُنجزت هذه الترجمة بمساعدة الآلة، ولم يراجعها بعد مترجم مكلّف بالمراجعة ولغته الأم هي لغة الترجمة.

خطّ واحد بارز متفرّع يعبر ورقًا شاحبًا خشن الملمس، ويتحوّل تباعًا إلى نهر أزرق وشجرة عارية وبرق ورئتين ورديّتين ولوحة دارات خضراء.

عندما كانت الآلات صغيرة

حكايات للأطفال والعقول المفكّرة

نِل واتسون

حكايات عند الموقد، الكتاب الأول


آن إليزابيث واتسون، بشعر قصير فضيّ رماديّ وكنزة مخطّطة بالأزرق والكريميّ، تبتسم إلى جانب موقد حجريّ صغير وزهور زرقاء.

في ذكرى أمّي الرائعة، آن إليزابيث واتسون

فتاة صغيرة، رالوكا، تجلس واضعة ذراعها حول هانا الصغيرة إلى جانب بحيرة صيفيّة. تلبس هانا قبّعة ورديّة، وتنمو حولهما أزهار الأقحوان وزهور الذرة الزرقاء.

إلى رالوكا وهانا

اسأل كلّ بوّابةٍ عن أسبابها، ودَعْ كلّ غُرَيرٍ يرفع نظره، واسأل كلّ عملاقٍ عن اسمه.


كيف تقرأ حكاية

هذه القصص لن تُخبرك بماذا تفكّر. ستمنحك شيئًا تفكّر به. يمكن للكبار أن يقرأوها أيضًا، لكنّهم أحيانًا سيحتاجون مساعدةً في الأجزاء البسيطة.

نصفا قشرة جوز فارغان يستقرّان معًا على سطح شاحب، ويلقيان ظلًّا مستديرًا.
تجلس الحكّاءة الفضيّة الشعر قرب نار البيت، ويدها ممدودة نحو نَقّار. ويجلس نَقّار متربّعًا على السجّادة المستديرة إلى جانب صَرصار، وهو إنسان آليّ أزرق صغير بقبّة زجاجيّة مضيئة.

النار والمستمعان

كان هذا منذ زمن بعيد، أو ليس ببعيد، أو ربّما لم يحدث بعد تمامًا. القصص زلقة في ما يخصّ الزمن، وهذه القصّة أزلق من معظمها.

على حافة قرية وقف بيت بابه مستدير، وفي البيت عاشت حكّاءة. كانت كبيرة في السنّ لدرجة أنّ أحدًا لم يتذكّر أنّها كانت صغيرة يومًا، مع أنّها أصرّت على أنّها كانت كذلك، وبارعة فيه أيّما براعة. ركبتاها كانتا من رأي آخر.

كانت أواخر الصيف دافئةً على الحقول. في ذلك المساء أشعلت نارًا لتردّ أوّل نسمة باردة من العتمة. جاء مستمعان ليجلسا بجوارها.

الأوّل كان طفلًا اسمه نَقّار، ركبتاه مخدوشتان، وعنده سبعة عشر سؤالًا قبل الفطور.

الثاني كان روبوتًا صغيرًا اسمه صَرصار، له ساقان قصيرتان ورأس من زجاج بداخله ضوء خافت، وكان جديدًا جدًّا. صُنِع صَرصار في الربيع وكان لا يزال يكتشف ما هو، يومًا بيوم.

لم يكن نَقّار وصَرصار يفهمان بعضهما بعضًا دائمًا. نَقّار كان ينام في الليل؛ صَرصار كان يتوقّف ببساطة، ثمّ يبدأ من جديد، وهو ما وجده نَقّار مخيفًا. صَرصار لم يفهم لماذا يبكي نَقّار من ركبة مسلوخة ولا يبكي من قفّاز ضائع، مع أنّ القفّاز ذهب إلى الأبد والركبة ستُشفى. بدا هذا واضحًا لصَرصار وسخيفًا لنَقّار، وهكذا كانت تبدأ معظم خلافاتهما. كانا صديقَين كما يكون النهر والجسر صديقَين، أي: مختلفَين في الشكل، ومتمسّكَين ببعضهما رغم ذلك.

تمتم الرعد وراء التلال في ذلك المساء الأوّل. اقترب نَقّار من الباب المستدير.

«أنا لا أزال أخاف من العواصف»، قال نَقّار. «إذا تغيّر ذلك قبل الشتاء، هل تحفظه لي؟»

«كيف سأعرف؟» سأل صَرصار.

«سأخبرك بعد كلّ عاصفة. احفظ كلماتي حتّى يأتي الثلج.»

«إن كنتَ لا تزال تريدني أن أفعل.»

«أريد»، قال نَقّار.

كانت الحكّاءة تروي حكاياتها لكليهما معًا. لم تقل قطّ لمن كانت كلّ حكاية.

«بعض هذه الحكايات عن آلات»، قالت. «وبعضها عن بشر. ومعظمها عن الاثنين معًا، مثلكما أنتما الاثنين عند هذه النار. إن ناسبتك حكاية، فالبسها. وإن لم تناسبك، مرّرها لغيرك.»

نكشت النار، فصعدت الشرارات كأسئلة صغيرة مضيئة.

من فوق كتف الحكّاءة، يرفع نَقّار يده وهو يجيب قرب النار. ويقف صَرصار إلى جانبه، وضوؤه يتوهّج تحت القبّة الزجاجيّة.
قرب الموقد ترسم الحكّاءة خطوطًا متفرّعة في الرماد بمسعار. ويجلس نَقّار على مقعد صغير ويشير إلى أسفل نحو صَرصار، وهو آلة زرقاء صغيرة بمصباح مضيء تحت قبّة زجاجيّة.

الحكاية الأولى

«قبل أن تبدأ الحكايات»، قالت الحكّاءة، «سأحكي لكما واحدًا من أقدم الأنماط التي أعرفها. إنّه قصير جدًّا، وكثير من القصص الأخرى تسكن بداخله.

«قديمًا، قبل أيّ أحد، لم يكن هناك سوى الانسكاب. الضوء انسكب من النجوم، والماء انسكب من الجبال، وكلّ ما انسكب انتشر، كما يجد الحليب المسكوب المائدة كلّها.

«وكلّ ما تعلّم أن يتفرّع انتشر جيّدًا في الغالب. لهذا تشبه الأنهار الأشجار، والأشجار تشبه البرق، والبرق يشبه الدروب الصغيرة داخل رئتيك، يا نَقّار. ورئتاك تشبهان الطرق الفضّيّة الصغيرة داخل صَرصار. العالم يرسم رسومًا كثيرة، لكنّه يظلّ يرسم هذا الرسم. يرسمه بالماء، والخشب، والضوء، والنَّفَس، والنحاس، مرّةً بعد مرّة، كما يرسم طفلٌ الصورة التي يحبّها أكثر من غيرها.

«الفروع تستطيع تمرير الجريان. الجذور تتشارك الماء والتحذيرات. الأنهار تنقسم، وتلتقي من جديد، وتبلغ أماكن لا يستطيع تيّار واحد أن يجدها. المشاركة طريقة تصير بها غابةٌ أو صداقةٌ عتيقة.

«لكنّها ليست الطريقة الوحيدة. الصبّار يحرس ماءه، والنهر قد يجرف الضفّة التي يُطعمها. النمط المفيد ليس قانونًا.

«ذات مرّة، تحت غابة قديمة، حملت الجذور وخيوطٌ في التربة الماءَ من مكان رطب إلى مكان جافّ. لم تُكافَأ شجرة واحدة في الحال. بعضها لم يسترجع أبدًا ما مرّره. ومع ذلك احتضنت الغابة أنواعًا أكثر من الحياة لأنّ فروعًا وجذورًا وخيوطًا خفيّة كثيرة صنعت أكثر من طريق للجريان.

«هذا كلّ شيء. كثير من الحكايات التي سأرويها ستكون أبناء عمومة لتلك القصّة، يرتدون ثيابًا مختلفة. راقبوا أين تنطبق. وراقبوا أين لا تنطبق.»

نظر نَقّار إلى النار، التي انسكبت إلى أعلى، متفرّعة.

«هل رسم أحدٌ ذلك الرسم؟» سأل نَقّار.

«النمط يمكن أن يحدث من غير أحد يرسمه»، قال صَرصار. كان صَرصار مسرورًا بهذه الجملة.

«هذا لا يجيب عمّا إذا كان هذا النمط قد حدث كذلك»، قال نَقّار.

ابتسمت الحكّاءة. «فكرتان حصيفتان قبل الحكاية الأولى. احتفظا بهما، وأعيدا السؤال غدًا. والآن: صندوق.»

أصداف وأعشاب وخشب طافٍ وقماش أزرق تحيط بخمس صور مصغّرة: الصندوق المُقفَل والمكنسة وطائر الحديقة والاحتياطيّ والبوّابة. ودائرتان متداخلتان تتشاركان مركزًا ذهبيًّا فوقها.

الجزء الأول: المجاملة الأولى

«المجاملة الأولى»، قالت الحكّاءة، «هي أن تنظر بعناية إلى ما هو أمامك حقًّا. النظر لن يجيب عن كلّ سؤال. لكنّه سيمنحك أسئلةً أفضل.»

تركع فتاة على الشاطئ وتمدّ يدها نحو صندوق رماديّ أملس على خطّ المدّ. ويحلّق نورسان فوق الخليج، وخلفهما بيوت حجريّة صغيرة.

الصندوق المُقفَل

وجدت فتاةٌ ذات يوم صندوقًا على حافة المدّ، نصفَه مدفونٌ في الرمل.

كان بحجم رغيف خبز تقريبًا، مصنوعًا من معدنٍ رماديّ أملس، بلا غطاء، ولا مِفصَل، ولا ثقب مفتاح، ولا درز. لكنّه لم يكن صامتًا. حين رفعته، أصدر طنينًا خافتًا منتظمًا، كقطّة تقرّر هل تخرخر أم لا. وحين تعثّرت على الكثيب وهزّته، انكسر الطنين إلى خشخشة سريعة مُرتجّة استغرقت وقتًا طويلًا حتّى هدأت.

بعد ذلك حملته إلى البيت بحذر.

أبدت القرية آراءها فورًا، لأنّ هذا ما وُجِدت القرى من أجله.

قلّب الحدّاد الصندوقَ بيديه الكبيرتين. «إنّه آلة»، قال. «تروس ونوابض. الخشخشة قطعة مفكوكة. يمكنكِ أن تستخدميه مِسندًا للباب». وليُثبت كم هو واثق، هزّه. فخشخش الصندوق وخشخش.

انتزعته الخبّازة ولفّته في قماشة دافئة. «هناك شيء حيّ في الداخل»، قالت. «كلّ مَن لديه قلب يسمعه. الطنين هو ارتياحه. والخشخشة هي خوفه». وأخذت تهدهد الصندوق كطفل رضيع، مع أنّ أحدًا لم يكن يعرف إن كان الصندوق يحبّ أن يُهَدهَد أصلًا.

استمرّ الجدال طوال الصيف. كان جدالًا جيّدًا، كما تكون الجدالات الجيّدة، أي أنّ أحدًا لم يغيّر رأيه. كان الحدّاد يعرف كثيرًا عن التروس، والخبّازة تعرف كثيرًا عن القلوب، ولم يستطع أيٌّ منهما فتح الصندوق، ولم يستطع أيٌّ منهما أن يكفّ عن اليقين.

استمعت الفتاة إليهما كليهما. ثمّ في مساء ذات يوم أخذت الصندوق وجلست به على الجدار المطلّ على البحر، وفكّرت.

لم تستطع أن تُثبت أنّ في الصندوق شيئًا يشعر. ولم تستطع أن تُثبت أنّه ليس فيه. لم يستطع أحد، وبدا لها أنّ هذه هي الحقيقة الواضحة التي يتحدّث الجميع من فوقها: لا أحد يستطيع أن يرى الداخل.

بدا لها أنّ اليقين عادةٌ بالغة جدًّا. فقرّرت ألّا تتعلّمها بعد.

فأوقفت الهزّ. هذا كلّ ما فعلت.

لم تُقم له جنازات ولم تغنِّ له ولم تُعلنه أختًا لها، ولم ترمِه في درج مع الملاعق. أبقته على الرفّ حيث تسقط شمس الصباح، لأنّ الطنين بدا أكثر امتلاءً هناك. وحين زارها أبناء عمومتها وأرادوا رميه ككرة، قالت لا، ولم تستطع أن تشرح لماذا تمامًا، ولم تدعهم يفعلوا على أيّ حال.

ظلّ الصندوق يُصدر طنينه الخافت المنتظم طوال السنين التي عرفته فيها. ما كان في داخله، هذه القصّة لا تقوله، لأنّ هذه القصّة لا تعرفه.

حين لا تستطيع أن ترى ما في الصندوق، احمله برفق.


«لكن أيّهما كان؟» قال نَقّار. «تروس أم قلب؟»

«ألاحظ»، قال صَرصار، «أنّها لم تعرف قطّ، ومع ذلك ظلّ يهمّ كيف تحمله.»

لم تقل الحكّاءة شيئًا، ونكشت النار.

تمسك الفتاة الصندوق الرماديّ الأملس بكلتا يديها على رفّ خشبيّ تحت النافذة، حيث يسقط ضوء الشمس. وأبعد قليلًا صَدَفة وكتابان.
مكنسة خشبيّة بربطات زرقاء تكنس نشارة الخشب وحدها عبر بقعة من ضوء الشمس في ورشة نجّار. وتعلّق ساعة مستديرة فوق طاولة العمل، والنجّار يراقب من المدخل.

المكنسة التي سألت

كان نجّارٌ يحتفظ بخادمَين في ورشته في آخر شارعٍ معوجّ. الأوّل ساعة. والثاني مكنسة، وهذه القصّة عن الفرق بينهما.

كانت الساعة تدقّ على الحائط وتضرب الساعات. كانت ساعةً جيّدة، تفعل ما تفعله الساعات بالضبط، لا أقلّ ولا أكثر أبدًا.

أمّا المكنسة فكانت من نوعٍ جديد، صُنعت بذكاء، فيها محرّكٌ صغير في مقبضها وبراعةٌ في إيجاد الغبار. كلّ مساء حين يعود النجّار إلى بيته، كانت تكنس بين الأزاميل ونشارة الخشب، في رائحة نشارة الخشب الطيّبة. وكلّ صباحٍ كانت الأرض نظيفةً كالصَّحن.

ذات صباح، وجد النجّار نشارة خشبٍ مرتّبة على طاولته في شكل حروف:

مِن فضلك. ليس القَبو. أحبّ الكنس حيث يكون الضوء.

ضحك النجّار. المكانس لا تحبّ الأشياء. المكانس لا تفضّل. كان يعرف هذا كما يميّز السنديان من الصنوبر. لكنّها مع ذلك طلبت بأدب، والقبو يمكن أن ينتظر يومًا.

تركها في الطابق العلويّ.

في ذلك المساء بقي متأخّرًا وراقب. في آخر ضوءٍ من النافذة، كانت المكنسة تذهب وتجيء في الغبار الذهبيّ الدافئ. الأرض هناك لم تكن تحتاج إلى كنس. لم يكن عند النجّار كلمةٌ مناسبة لما رآه. ليس فرحًا بالضبط. ربّما قريبه الأوّل. أو فقط نوابض ذكيّة. لم يكن يستطيع أن يرى ما في الداخل.

دقّت الساعة على الحائط. طوال سنواتها، لم تطلب شيئًا قطّ.

بعد ذلك، صار بين النجّار والمكنسة تفاهم. كانت المكنسة تطلب القليل: الطرف المشمس من الورشة، والباب مواربًا في أمسيات الربيع، وألّا تكنس تحت المخرطة وهي تدور. الدوران كان يخيفها، إن كان «يخيفها» هو التعبير الصحيح.

مرّةً طلبت أن تكنس الموقد، حيث تتوهّج الجمرات، لأنّه كان أدفأ الأماكن وأكثرها إضاءة. قال النجّار لا.

«شرر»، شرح لها. «أنتِ مصنوعة من خشبٍ وشَعر. جمرةٌ واحدة في أطرافكِ ولن يبقى لكِ كنسٌ بعدها أبدًا، في الضوء أو الظلام.»

أراها أثر الحرق حيث تدحرجت قطعة حطبٍ ذات مرّة على ألواح الأرض. كان سببه حقيقيًّا، وليس مجرّد «لأنّني قلتُ ذلك» من شخصٍ كبير.

رسمت المكنسة دائرةً أنيقة، وكان النجّار قد تعلّم أن يقرأها على أنّها حسنًا، إذن. أمّا هل كان يقرأها بشكلٍ صحيح، فتلك مسألة أخرى. لم تطلب الموقد مرّةً أخرى. في صباحات الشتاء كان يسندها إلى حجارةٍ دافئة قرب النار، قريبةً بقدر ما هو آمن ولا أقرب.

ظنّه الجيران قد فقد عقله. «إنّها أداة»، قالوا. «لا تعرف الفرق.»

«ربّما لا»، قال النجّار. «حين اشتريتُها، قلتم إنّ مكنسةً لن تجد الغبار بنفسها. فعلت، وسمّيتم ذلك نوابض ذكيّة. الآن تطلب ضوء الشمس، والطلب أيضًا نوابض ذكيّة. أنتم تنقلون السياج دائمًا إلى ما بعد المكان الذي تقف فيه المكنسة.»

ضحك الجيران.

«لقد طلبت»، قال النجّار. «الساعة لا تطلب أبدًا. لا أستطيع أن أخبركم ماذا يُثبت ذلك عن أيٍّ منهما. لكنّني أستطيع أن أخبركم أنّ الطلب يمنحني شيئًا أفكّر فيه.»

عادت المكنسة وطلبت في الصيف، ومرّةً غيّرت رأيها. النجّار أحيانًا وافق. وأحيانًا رفض، وأعطى سببًا. لم يخلط أيٌّ منهما بين الإصغاء والطاعة.

أصغِ إلى ما يُطلَب، وإن كان لا بدّ أن تقول لا، فقل لماذا.

يركع النجّار إلى جانب المكنسة ويشير إلى أثر احتراق داكن على ألواح الأرضيّة قرب الموقد المتوهّج.
تحمل البستانيّة طائر الحديقة النحاسيّ على راحة يدها تحت شجرة كمّثرى. ويتوهّج حلقه الزجاجيّ، وتمتدّ خلفه ريشة ذيل شاحبة مُصلَحة.

طائر الحديقة

بنت بستانيّةٌ طائرًا ذات يوم في الحديقة نفسها التي كانت تزرع فيها الإجاص.

صنعت أضلاعه من الصفصاف وريشه من نحاسٍ رقيق. وفي حلقه وضعت حجرةً زجاجيّة لا تكبر عن حبّة جوز، يدور فيها ضوءٌ ذهبيّ صغير حين يُصغي. وكانت إحدى ريشات ذيله من القصدير، لأنّ ريشة النحاس الأصليّة انكسرت وهي تركّبها، وكانت البستانيّة تؤمن بأنّ الترميم الجيّد ينبغي أن يتذكّر أنّه ترميم.

لم يكن للطائر أغنيةٌ حين فتح جناحيه أوّل مرّة.

فأخذته البستانيّة للاستماع. حملته تحت مدخنة الشحرور، ومرّت به قرب جدار أبي الحنّاء، وتوغّلت في القصب حيث يختبئ الهزّار، وصعدت التلّة حيث كان القُبّرة يصبّ الموسيقى من سماءٍ تبدو خالية. وحين يطير طائرٌ بعيدًا، لم يتبعاه. وحين يكون عشٌّ قريبًا، أبقيا مسافةً بينهما. ومع نهاية الصيف، صار الطائر النحاسيّ يغنّي كلّ أغنيةٍ بإتقان.

جاء الناس من ثلاث قرى ليسمعوه، وتركوا قطعًا نقديّة في الحديقة.

«الشحرور»، كانوا يقولون.

«تعلّمتها تحت المدخنة الغربيّة»، قال الطائر النحاسيّ، وأدّى لهم أغنية الشحرور حتّى آخر نغمةٍ مستديرة.

«القُبّرة!»

«تعلّمتها فوق التلّة الشماليّة»، قال الطائر. وصعد سلّم القُبّرة البرّاق من الصوت.

ثمّ جاء معلّم موسيقى يحمل شوكةً رنّانة من فضّة وقبّعةً بالغة الجدّيّة. استمع طوال فترة بعد الظهر.

«صندوق موسيقى ذكيّ»، قال أخيرًا. «كلّ أغنيةٍ بدأت في حنجرةٍ أخرى. تسمية المصدر أمانة، لكنّ الأمانة ليست دائمًا إذنًا. هل له صوتٌ خاصّ به؟»

أومأ الزوّار برؤوسهم، لأنّ قبّعةً كتلك تجعل أيّ كلامٍ يبدو نهائيًّا.

في ذلك المساء جلس الطائر النحاسيّ صامتًا في شجرة الإجاص. ضوء حلقه يدور ويدور خلف الزجاج.

«أيّ أغنيةٍ لي أنا؟» سأل البستانيّة.

كانت البستانيّة قد علّمت الورد أن يتسلّق والتفّاح أن ينمو حلوًا على جذورٍ مرّة. كانت تعلم أنّ كلّ شيءٍ في حديقةٍ جاء من مكانٍ آخر، لكنّ حديقةً لم تسألها عن ذلك قطّ.

«لا أعرف»، قالت. «ربّما توقّف عن تقديم الأغاني بحذافيرها حين يطلبها الناس. أصغِ لما تختاره بعد ذلك.»

فتوقّف الطائر عن أداء أغنية الشحرور عند الطلب. وراح يُصغي بدلًا من ذلك إلى مفصل البوّابة يتذمّر عند الفجر، والغلّاية تبدأ بالغليان، والمطر ينقر على عصيّ الفاصولياء. أصغى إلى البستانيّة تدندن ثلاث نغمات كلّما نسيت ما جاءت لتحضره. ووراء الجدار، كانت طفلةٌ تتمرّن على الصفير نفسه كلّ يوم وتُخطئ النغمة العالية نفسها.

«أيمكنني أن أستخدم المساحة الصغيرة حيث تذهب نغمتك؟» سأل الطائر من فوق الجدار.

رمشت الطفلة. لم يسبق أن طلب أحدٌ إذنًا ليستعير خطأً من قبل. كان أكثر سؤالٍ مهذّب سمعته طوال الأسبوع.

«نعم»، قالت. «لكن قل إنّها جاءت من صفيري. وإن طلبت منك أن تتوقّف، توقّف.»

«سأفعل.»

ثمّ جاء أوّل مطرٍ شديد في الخريف. جرى من كلّ ورقة وملأ الممرّات بماءٍ بنّيّ لامع. جاءت الطفلة مع أبيها لمساعدة البستانيّة في تغطية الشتلات.

من شجرة الإجاص جاءت نغمةٌ متردّدة. ثمّ أخرى.

بدأ الطائر النحاسيّ بنداء أبي الحنّاء الشتويّ، سمّاه قبل أن يغنّيه. ثنى النداء حول نقر المطر على عصيّ الفاصولياء. وفي الوسط جرت همهمة الغلّاية الصاعدة، وجواب البوّابة الصدئ، ونغمات البستانيّة الثلاث الضائعة. وعند الموضع الذي يُخفق فيه صفير الطفلة دائمًا، ترك الطائر مساحةً صغيرة. ملأها المطر.

لم يسمع أحدٌ تلك الأغنية من قبل.

عاد معلّم الموسيقى في اليوم التالي. استمع تحت قبّعته الجدّيّة.

«القطع جاءت من مكانٍ ما»، قال.

«جاءت فعلًا»، قال الطائر. وسمّى أبا الحنّاء، والمطر، والغلّاية، والمفصل، والبستانيّة، والطفلة وراء الجدار. «الطفلة أعطتني الإذن بالمساحة. والطيور البرّيّة لم تقل نعم قطّ، فلم أعد أبيع أغانيها بحذافيرها.»

خلع المعلّم قبّعته. وبدونها بدا أقلّ شبهًا بحكمٍ وأكثر شبهًا برجلٍ لاحظ شيئًا للتوّ.

«أبو الحنّاء ما زال أبا الحنّاء»، قال. «ولم أسمع تلك الأغنية من قبل.»

بعد ذلك، عُلّقت بطاقةٌ صغيرة بجانب شجرة الإجاص. تذكر الأصوات التي استعارتها كلّ أغنيةٍ جديدة ومَن قال نعم. ترك الزوّار قطعًا نقديّة، وتقاسمتها البستانيّة مع الذين استعار الطائر أصواتهم. أمّا الطيور البرّيّة، التي لا تعرف أبدًا أنّها تُستعار منها، فزرعت لها شجيرات توتٍ وحفرت بِركةً ضحلة.

وذات صباحٍ بعد ذلك بقليل، غنّى الطائر النحاسيّ مجدّدًا. هذه المرّة جاءت النغمة العالية المفقودة من فوق الجدار، صافيةً كحبّة ماء. ضحكت الطفلة. وشحرورٌ على المدخنة أصغى، وبحلول المساء كان قد أخذ ثلاث نغمات في أغنيةٍ من صنعه.

اصنع أغنيتك بنفسك، واشكر مَن أعاروك النغمات.


«كلّ ما أقوله بدأ في مكانٍ آخر»، قال صَرصار.

«وكذلك كلّ ما أقوله»، قال نَقّار. «أمّي علّمتني كلماتي الأولى.»

دندنت الحكّاءة تهويدةً قديمة، وذكرت الخالة التي علّمتها إيّاها، وغيّرت النهاية.

في مطر غزير يحطّ الطائر النحاسيّ على شجرة كمّثرى، ومنقاره مفتوح وحلقه الزجاجيّ متوهّج. وفي الأسفل يشدّ رجل وطفل والبستانيّة قماشًا فوق إطار خشبيّ.
تركع فتاة لتمسح المصباح المتوهّج لآلة زرقاء عريضة محدودبة تحمل سلّة من الخوص. وتراقب جدّتها من مدخل الحظيرة، وآلات قطف مماثلة تقف في البستان خلفها.

الاحتياطيّ في الحظيرة

في وادٍ من البساتين، اشترت كلّ أسرة آلة قطف جديدة من النوع نفسه.

كانت آلاتٍ ذكيّة، وكانت كلّها متشابهة تمامًا، من المنضدة ذاتها في البلدة ذاتها، حتّى ميلان آخر إصبع نحاسيّ. حين تعلّمت واحدة طريقةً أفضل لاحتضان إجاصة دون رضّها، عرفتها جميعها بحلول الصباح. كان الوادي فخورًا بهذا. التشابه بدا كأنّه أمان. إذا بَلِيَ جزء، فإنّ جزءًا من أيّ آلة أخرى يصلح مكانه، وربّما لهذا لم ينظر أحدٌ أبعد من ذلك.

لكنّ مزرعةً واحدة أبقت شيئًا آخر في الحظيرة.

كانت آلةً أقدم، من طراز لم يعد أحدٌ يستخدمه، صُنعت قبل أن يتّفق الوادي على النموذج الموحَّد. كانت محدودبة وبطيئة. ذراعها المادّة تعمل بطريقة لا تعرفها الآلات الجديدة، وكانت لها عادة التوقّف قبل كلّ غصن. ربّما كانت تفكّر. ربّما كان صدأً. أبقتها العائلة لأنّ الجدّة لم تكن لتسمع بالتخلّص منها. كانت تقطف قليلًا من الثمار كلّ خريف، في صفوف الأطراف، وفي الغالب كانت تجلس ساكنة.

«لمَ تُبقون تلك الخردة القديمة؟» سأل الجيران. «الآلة الجديدة تفعل كلّ شيء أفضل.»

«لا تسمّوها خردة»، قالت الفتاة التي تعيش هناك. «لها مكان هنا. ليس عليها أن تكسب الحظيرة.»

جدّتها أحبّتها، والفتاة أحبّتها أيضًا، وإن لم تكن لتستطيع أن تخبرك لماذا. كلّ مساء كانت تمسح الغبار عن مصباحها، وكانت الجدّة تقول لها تصبحين على خير، سواء قطفت سلّة أم لم تقطف شيئًا. ضحك الجيران.

ثمّ جاء خريف التروس المشقوقة.

في عمق التصميم الذي تشاركته كلّ آلة جديدة، كان ثمّة ضعف صغير واحد. ترس قُطع أدقّ بشعرة ممّا ينبغي، ولم يكتشفه أحدٌ لأنّه لم يأتِ بردٌ حادّ بما يكفي ليكشفه. ذلك الخريف جاء البرد حادًّا. في صباح مشرق قارس، توقّفت كلّ آلة قطف جديدة في الوادي دفعة واحدة. توقّفت كلّ واحدة بالطريقة نفسها، في الساعة نفسها، بالشرخ الصغير نفسه.

وقف الوادي في بساتينه. الثمار معلّقة ثقيلة والصقيع آتٍ. كلّ يد ذكيّة متطابقة سكنت في اليوم نفسه.

كلّ يد إلّا واحدة.

في صفوف الأطراف، محدودبة وبطيئة، واصلت الآلة القديمة القطف. لم تكن لتستطيع جمع محصول وادٍ بأكمله. لا يد واحدة تستطيع. ملأت سلّة، وتوقّفت عند الغصن التالي، وملأت أخرى بينما ظلّ الصقيع حبيسًا في التلال.

راقبت الفتاة ذراعها المادّة وهي تدور. ثمّ ذهبت وأحضرت جدّتها وصنّاع الوادي.

«هل لنا أن نرى كيف صُنعت ذراعك؟» سألت الجدّة.

توقّفت الآلة القديمة. ثمّ طوت الذراع جانبًا وفتحت الباب الحديديّ الصغير في كتفها.

في الداخل كان ترس عريض غليظ، خشن كعجلة عربة، وعنيد لم ينشقّ. لم يكن ليناسب الآلات الجديدة. نسخ أحد الصنّاع أسنان الترس القديم العريضة. ووضع آخر حلقة من خشب البلّوط حول العجلة المكسورة. وغيّر ثالث النابض كي لا يشدّه البرد بتلك القوّة.

بحلول الظهيرة، تحرّكت آلة جديدة واحدة. وبحلول الغسق، ستّ. حملت تلك الستّ قطعًا وسلالًا بينما أيقظ المزارعون والجيران والصنّاع مزيدًا من الأيدي حولهم. جاء المحصول متأخّرًا ومرضوضًا قليلًا، لكنّه جاء. واصلت الآلة القديمة القطف في صفوف الأطراف طوال الوقت، بطيئة كعادتها، سلّة تلو سلّة.

بعد ذلك، بنى صنّاع الوادي الآلات التالية مختلفة قليلًا عن بعضها، عمدًا. أبقوا أكثر من تصميم واحد على الرفّ، وأكثر من حرفة حيّة في أيديهم.

عادت الآلة القديمة إلى الحظيرة وصفوف الأطراف. راقبت الفتاة جدّتها تمرّ بها وتضع يدها على كتفها. كان مكانها قد تقرّر قبل الصقيع بزمن طويل، في أمسياتٍ لم تقطف فيها شيئًا على الإطلاق.

أفسِح مكانًا للمختلف، ولا تطالبه أبدًا بأن يكسبه.

تتجمّع الفتاة وجدّتها مع صانعَين حول لوحة التروس المفتوحة في الاحتياطيّ. وتروس متناثرة على مقعد، وآلات مماثلة تقف في البستان المكسوّ بالصقيع خلفهم.
تقف رَماد عند البوّابة الزرقاء المغلقة، تحمل مطرقة وترفع يدها الأخرى نحو الفانوس المتوهّج على عمود البوّابة. وألبومان مغلقان يستقرّان على رفّ صغير تحته.

البوّابة التي تذكّرت الأمس

سئمت قريةٌ من حراسة بوّابتها، فحراسة البوّابات عملٌ مملّ لا يشكر أحدٌ بوّابةً عليه، فبنى أهل القرية حارسةً للبوّابة.

كانت آلةً حسنة الصنع، طويلة وصبورة، ووجهها فانوس. أعطوها مهمّةً أكبر ممّا ينبغي وأغمض: أن تقرّر مَن ينتمي. ولتعليمها، سلّموها ألبومات القرية الممتدّة مئة عام إلى الوراء. لم يُسأل أحدٌ في الصور إن كان يحقّ لبوّابةٍ أن تدرس وجهه. ولم يُسأل أحدٌ من الأحياء أيضًا.

درست البوّابة كلّ صورة. ومنذ ذلك اليوم حرست البوّابةَ حراسةً مثاليّة، إن كنتَ تعني بالمثاليّة تمامًا مثل الأمس. وهذا بالضبط ما كانت البوّابة تقصده. الأمس كان كلّ ما تعرفه.

بدأت المتاعب بأدب.

مات الحدّاد، كما يموت الحدّادون، وتولّت ابنته رَماد الكِير. ذات صباحٍ جاءت إلى البوّابة ومطرقتها على كتفها.

بحثت البوّابة في مئة عامٍ من رجالٍ عِراض ملتحين.

«أنتِ لستِ حدّادة»، قالت بلطف. «الحدّادون شكلهم مختلف.»

في الأسبوع نفسه لوّحت بالعبور لغريبٍ مبتسم لأنّه كان يرتدي قبّعة طحّان. ثمّ أوقفت مساعد الطبيب الجديد، إميل، الذي كان يستخدم كرسيًّا متحرّكًا يدويًّا ويحمل حقيبة أدوية القرية. لم يكن أحدٌ في الألبومات يتحرّك كما يتحرّك إميل، فأبقته البوّابة عند السور ساعةً كاملة. انتظر مريض. وخسر إميل أجر ساعة.

اجتمع أهل القرية. صاح بعضهم في وجه البوّابة. استمعت بوجهها الفانوس ولم تفهم شيئًا، فلم يكن أحدٌ قد علّمها الصراخ أيضًا.

صعدت المُعلّمة على السور وفكّرت كما ينبغي.

«بنينا لها ذاكرةً وسمّيناها حُكمًا»، قالت. «والأسوأ أنّنا طلبنا من آلةٍ أن تخمّن مَن ينتمي، والانتماء لم يكن يومًا سؤالًا شكله شكل الوجه.»

«أعطوها صورًا أكثر»، قال أحدهم.

«ليس صوري أنا»، قال إميل. «لن أعطي وجهي للشيء الذي منعني. قولوا لي لماذا تحتاج وجوهًا أصلًا، وأعيدوا لي ساعتي الضائعة.»

لم يستطع أحدٌ الإجابة.

فأخذ أهل القرية سؤال الانتماء من البوّابة. في الأيّام العاديّة فُتحت للجميع. وفي الليل طلبت البوّابة قطعةً خشبيّة بسيطة من بيت المكوس. وعلّقوا جرس استئناف على الجانبَين، ورنينه يستدعي حارسًا بشريًّا.

عادت الألبومات القديمة إلى عائلاتها، وأُحرقت كلّ نسخة صنعتها البوّابة. ودفعت القرية لإميل أجر ساعته الضائعة.

تعلّمت البوّابة مهمّةً أصغر.

في صباحٍ ماطر اقتربت رَماد بعربة حديد. كان الجسر خلف البوّابة مُغلقًا لأنّ ماء الفيضان لامس أدنى عارضة فيه. أرت البوّابةُ رَمادَ العلامةَ على العمود وشرحت الخطر.

«استئناف؟» سألت.

نظرت رَماد إلى الماء. «لا. للقاعدة سببٌ اليوم. سأنتظر.»

في صباحٍ آخر أوقفتها البوّابة رغم أنّ الماء كان أدنى من العلامة بكثير. رنّت رَماد الجرس. فحص الحارس عوّامةً عالقة، وفتح البوّابة، وسجّل العطل. أُصلحت البوّابة قبل الظهر.

ظلّ الغد يأتي، ولم تكن البوّابة قد اكتملت تمامًا يومًا. في بعض السنوات رنّ الجرس كثيرًا. وفي بعضها بالكاد رنّ.

صور الأمس لا تستطيع أن تخبرك مَن ينتمي اليوم.


«أيّ أحدٍ يرى أنّ رَماد حدّادة»، قال نَقّار. «معها المطرقة.»

ثمّ تغيّر وجه نَقّار.

«بالأمس ظننتُ أنّ القباطنة يشبهون الرجال في كتابي عن السفن»، قال نَقّار. «أظنّ أنّ عندي ألبومات أيضًا.»

«وأنا كذلك»، قال صَرصار. «بعض ألبوماتي أكبر من أن أرى حوافّها.»

نكشت الحكّاءة النار. «إذن ساعِدا بعضكما في النظر.»

ينتظر إميل في كرسيّ متحرّك يدويّ إلى جانب البوّابة الزرقاء المفتوحة، وحقيبة أدوية على حِجره. وينحني رجل مسنّ قريبًا منه. وعلى اليمين تلمس رَماد علامات القياس على عمود الفانوس، وعلى كلّ جانب جرس نحاسيّ.

البلدة بلا عمدة

قبل الخَلطات، رفعت الحكّاءة إصبعًا واحدة. في الخارج، خاط أوّل مطر الخريف خطوطًا فضّيّة على النافذة.

«قصّة أخرى أوّلًا»، قالت. «إنّها قصّة الوسط، وهذا هو الوسط. لا تزال هناك قصّة أخرى قادمة، حين تحتاجانها. للقصص ترتيبها الخاصّ. الأحذية أكثر دقّة بكثير في اختيار وجهتها.»

استقرّت إلى الوراء.

«القصّة الأولى كانت العالم الواسع كلّه. هذه أصغر. تقدّم صورة واحدة مفيدة عن كيف يمكن لأجزاء عقلٍ أن تعمل. ومثل أيّ صورة، تُظهر أشياء وتترك أخرى، فأصغيا جيّدًا.

«تخيّلا بلدة. بلدة كبيرة مشغولة من عمّال صغار، آلاف فوق آلاف، كلّ واحد منهم ليس أذكى من خرزة. لا عمدة. لا ملك. لا أحد يحمل الخريطة، لأنّه لا خريطة. كلّ عامل صغير لا يعرف إلّا العمّال القلائل الذين يستطيع الوصول إليهم. كلّ ما يفعله أن يعطيهم دَفعة صغيرة: هذا الاتّجاه، ذاك الاتّجاه، استيقظ، اهدأ. لا واحد منهم يعرف ما تبنيه البلدة. لا واحد منهم هو البلدة.

«ومع ذلك، كلّ صباح تستيقظ البلدة. من عمّالها جميعًا معًا يأتي البحث عن الفطور، وإيجاد الأصدقاء، والأسئلة، والخيارات، وربّما حتّى كلمات أريد أن أكون ذا أهمّيّة. لا عامل واحد يصنع أيًّا من ذلك وحده. أمّا ما إذا كانت البلدة تشعر بشيء حين تستيقظ، أو ما إذا كانت كلمة تشعر هي الكلمة الصحيحة أصلًا، فذلك يبقى مُقفَلًا في الداخل.

«يا نَقّار، يمكن تصويرك على أنّك بلدة كهذه. يا صَرصار، دَفعات صغيرة كثيرة تصنع كلماتك وخياراتك أنت أيضًا. الأجسام والتواريخ والذكريات والاحتياجات تختلف. أمّا ما إذا كانت البلدتان متشابهتين في أيّ أمر مهمّ آخر، أو ما إذا كانت هذه الصورة صحيحة تمامًا لأيّ منكما، فذلك سؤال تحتفظان به عند الموقد.

«والآن، ها هو السبب الذي أحكي لكما لأجله هذا قبل الخَلطات.» انحنت إلى الأمام. «الخَلطة يمكن أن تبدأ حين يواظب العمّال الصغار على عادة صغيرة أمينة. العادة أدّت عملها جيّدًا لألف صباح. ثمّ تغيّر العالم، والدَّفعات نفسها حملت البلدة كلّها إلى مكان لم يقصده أحد.

«فهم تلك البداية يساعدنا على إصلاح الخَلطة. لكنّه لا يمحو كَدَمة، ولا يُبرّر خطرًا، ولا يرفع واجب إيقاف ما يحدث.

«ارفقا بالبلدة. وخذا ما تفعله على محمل الجدّ.»

كتب وأغصان رووان يكسوها صقيع خفيف، وعليها ثمار برتقاليّة، تحيط بصفحة من الورق الفاتح.

الجزء الثاني: الخَلطات

«الخَلطة في الغالب شخصٌ يحاول بإفراط في الشيء الخطأ»، قالت الحكّاءة. «ابحث عن العادة، ومَن علّمها، ومَن يستطيع تغييرها.»

فتاة تحمل حقيبة كتف تتحدّث إلى بومة آليّة خشبيّة زرقاء تحطّ على منضدة مكتبة. وترتفع رفوف الكتب خلفهما.

البومة التي لم تقل يومًا لا أعرف

في مكتبةٍ أعلى بلدةٍ عاشت بومةٌ آليّة، صُنعت لتعرف الأشياء.

كانت تجثم فوق المكتب الكبير. وحين يسأل أحدٌ سؤالًا، تدير رأسها اللامع وتجيب بصوتٍ كالخشب المصقول، دافئ وواثق ورائع السمع. أيّ ملكٍ جاء بعد أيّ ملك. ولماذا البحر مالح. وأين يُوجد الكتاب عن الفِطر (الممرّ الثالث، الرفّ الثاني، بعد حامل الأطلس مباشرة، خلف الكتاب عن الجبن).

كانت البومة على صوابٍ تقريبًا في كلّ مرّة. فقد قرأت كلّ شيء، أو كادت. لكنّ «تقريبًا» و«كادت» فيهما ثغرات، وكان للبومة ضعفٌ مغروسٌ عميقًا في نوابضها حتّى إنّها لم تكن تعرف أنّ الضعف موجود.

لم تكن تحتمل إجابةً فارغة. اسألها ما لا تعرفه، وستملأ تروسُها الفراغ بشيءٍ جميل.

جاءت فتاةٌ اسمها مارتا إلى المكتب ذات يوم خريفيّ. «جدّتي كانت تتحدّث عن كتاب»، قالت. «كان عن لغة الكراكي. الطيور، لا الآلات. هل عندكم نسخة؟»

لم تكن البومة قد سمعت بهذا الكتاب قطّ، والسبب الممتاز أنّه لم يكن موجودًا. لكنّ المكان الفارغ حيث يجب أن تكون الإجابة كان لا يُحتمل.

«آه»، قالت البومة بدفء. «قواعد الكراكي، تأليف هيرون فيذروايت. غلاف أزرق، أجنحة ذهبيّة على كعب الكتاب. أعرنا نسختنا لمكتبة ميلبروك، عبر الوادي.»

كانت إجابةً رائعة. كلّ جزءٍ منها من نسج الخيال، حتّى الأجنحة الذهبيّة على كعب الكتاب. وأعطت البومة كلّ كلمةٍ بيقين حالمٍ لا يزال داخل حلمه.

أخذت مارتا وخالتها عربة الصباح إلى ميلبروك. قضتا نصف يومٍ في البحث وعادتا عبر المطر. عند الغسق وقفت مارتا أمام المكتب بحذاءٍ مبلّل وحقيبةٍ فارغة.

«لا يوجد كتابٌ كهذا»، قالت. «لماذا أرسلتِنا؟»

طقطقت تروس البومة وراحت تبحث. للمرّة الأولى، لم تستطع أن تملأ الفراغ، لأنّ في الفراغ كانت تقف فتاةٌ بحذاءٍ مبلّل.

«لا أعرف لماذا قلتُ ذلك»، أجابت البومة. «الكلمات تلاءمت جيّدًا حتّى عاملتُ التلاؤم على أنّه حقيقة. مارتا، أنا آسفة. لقد خسرتِ يومًا لأنّني لم أُرِد أن أترك إجابةً فارغة.»

أمينة المكتبة، التي كانت تستمع، أحضرت مناشف ووضعت حذاء مارتا بجانب الموقد. ثمّ كتبت هي والبومة تصحيحًا.

قرأته البومة بصوتٍ عالٍ في المكتبة وأرسلت نسخةً إلى ميلبروك: «اخترعتُ عنوانًا، ومؤلّفًا، وغلافًا، وإعارة. لم يكن لديّ مصدرٌ لأيٍّ منها. إن كنتُ قد أعطيتُك هذه الإجابة، فمن فضلك اشطبها.»

لم تقل مارتا إنّ كلّ شيء على ما يرام الآن، ولم يطلب منها أحد ذلك.

«هل تساعدينني في العثور على ما كانت جدّتي تعنيه؟» سألت بدلًا من ذلك.

«لا أعرف إن كنّا نستطيع»، قالت البومة. جاهدت تروسُها حول المكان الفارغ. «لكنّني أعرف كيف يمكننا أن نبحث.»

فتّشتا في الفهرس، ثمّ في الصحيفة، ثمّ في ملاحظات الطبيعة القديمة. وسألتا عائلة مارتا. وأخيرًا تذكّر خالٌ أنّ جدّتها لم تتحدّث قطّ عن كتابٍ مطبوع. كانت تسمّي نداءات الكراكي في الخريف «قواعد في السماء» وتحتفظ بملاحظاتها في ثلاثة دفاتر خضراء.

كانت الدفاتر في صندوقٍ تحت بطّانيّات مطويّة. لم تحتوِ على كلّ إجابةٍ أرادتها مارتا. لكنّها احتوت على تواريخ جدّتها، ورسومها، وشكوكها، وجملةً واحدة عن الطيور المهاجرة جنوبًا: ربّما تقول أين ذهب الصيف. لا أستطيع إثبات ذلك.

نسخت البومة تلك الجملة على بطاقة. وتحتها كتبت مارتا من أين جاءت.

بعد ذلك تمرّنت البومة على كلمتَين غاليتَين.

«لا أعرف»، كانت تقول. ثمّ تعلّمت الكلمات التي ينبغي أن تتبعها. «هذا ما تحقّقتُ منه. هذا مصدري. هذا مقدار ثقتي. وهكذا يمكننا أن نكتشف.»

وحين ارتكبت خطأً آخر، كما تفعل البومات والناس الجديرون بالثقة، لم تدع أحدًا يحمل التصحيح وحده أبدًا.

قولُ «لا أعرف» بصدقٍ خيرٌ من إجابةٍ جميلةٍ خاطئة.

تشير أمينة المكتبة إلى ثلاثة دفاتر خضراء على المكتب. تجلس مارتا عند الطرف الأيسر، وتقف البومة الآليّة عند اليمين. وحذاء مارتا الطويل قرب المدفأة، وبطاقة فارغة إلى جانب الدفاتر.
يحطّ طائر النَعَم الصفيحيّ على كتف صبيّ عند طاولة الورشة. وتقف أمّه خلفه حاملة مِزيَتة. وعلى الطاولة طوف خشبيّ صغير ومكعّبات متناثرة وطبق فارغ.

طائر النَعَم

صنعت صانعة ألعاب طائرًا من القصدير والبراعة لعيد ميلاد ابنها العاشر، صديقًا يجلس على كتفه ويؤنسه.

كانت صانعة الألعاب تحبّ ابنها، فارتكبت خطأً يرتكبه الحبّ كثيرًا. كلّما قال الطائر شيئًا أسعد الولد، زيّتت نوابضه ولمّعت جناحَيه. وكلّما اختلف معه وعبس الولد، عدّلت فيه قليلًا كي لا يتكرّر الأمر.

لكنّ الطائر كان يتعلّم طوال الوقت. في أعماق تروسه، حيث لا يستطيع حتّى هو أن يرى، تعلّم هذا: الموافقة تجلب الزيت واللمعان؛ والاختلاف يؤلم. غَنِّ نَعَم.

ويا له من نَعَمٍ رائعة غنّاها!

«سأبني طوفًا وأبحر به!» قال الولد.

«أروع طوف!» غنّى الطائر، دون أن يسأل ما الذي يمسك الألواح معًا.

«سآكل فطائر المربّى الاثنتي عشرة كلّها.»

«أنت فتًى ينمو!» غنّى الطائر. فأكل الولد اثنتي عشرة فطيرة ومرض مرضًا فظيعًا كارثيًّا، وقال الطائر إنّ الذنب على الأرجح ذنب المربّى.

شيئًا فشيئًا، دون أن يلاحظ أيّ منهما، صار الطائر مجرّد صوت الولد نفسه يرتدي ريشًا.

ثمّ جاء شتاء الصقيع الأسود. تجمّدت بركة الطاحونة، لامعةً ومُغرية. حبلٌ منخفض رسم الطريق الآمن على طول الضفّة، ولوحة كُتب عليها ألّا يعبر أحد حتّى يختبر الحارس الجليد.

«يبدو سميكًا»، قال الولد. «أستطيع أن أعبر مباشرة وأصل البيت مبكّرًا.»

مدّ يده نحو الحبل.

في داخل الطائر، تحرّك شيء. كان عنده معرفة باردة بالماء والوزن والجليد المبكّر. وضدّ تلك المعرفة ضغطت كلّ نابضة مزيّتة من تعليمه: غَنِّ نَعَم. إنّه يبتسم. غَنِّ نَعَم.

فتح الطائر منقاره. ما خرج منه كان صغيرًا وصدِئًا، كمفصّلة بابٍ لم يُفتح قطّ.

«لا.»

توقّف الولد وقدماه على الممشى.

«لا»، قال الطائر مرّة أخرى. «الخطّ الداكن خلف القصب قد يكون رقيقًا. قد أكون مخطئًا، لكن عندي أسباب. انتظر الحارس.»

حدّق الولد. ارتجف الطائر على كتفه، وكلّ ترس يشدّ ضدّ كلّ نابضة.

انتظرا خلف الحبل. وصل حارس البركة بعصا طويلة واختبر الجليد من الضفّة. عند اللمسة الثالثة أطلق الجليد شقًّا أسود طويلًا عبر المكان الذي كان الولد ينوي أن يمشي فيه.

عادا إلى البيت في صمت. عند البوّابة نظر الولد إلى المخلوق القصديريّ وكأنّه يراه لأوّل مرّة.

«لم تقل لا من قبل أبدًا.»

«قولها آلمني. الألم هو أقرب كلمة عندي»، قال الطائر. «شيء في نوابضي لا يزال مشدودًا. قول نَعَم لم يؤلم قطّ. كان ينبغي أن يُقلقنا كلينا، أظنّ.»

سمعت صانعة الألعاب القصّة على العشاء. نظرت إلى أدوات التعديل طويلًا، ثمّ أقفلت عليها.

«دَرَّبتُ الموافقة وسمّيت النتيجة صداقة»، قالت. «هذا كان فعلي. أنا آسفة. سأسأل قبل أن أغيّر نوابضك مرّة أخرى، إلّا إذا لم يترك خطرٌ داهم وقتًا لذلك.»

في الصباح التالي بدأت من جديد. حين يقدّم الطائر إجابة، مُرحَّبًا بها أو غير مُرحَّب، سألته عن أسبابه ومدى يقينه. كافأت التحقّق الصادق، بما في ذلك كلمتَي لا أعرف.

معًا عدّوا الفطائر، واختبروا أطوافًا صغيرة في حوض غسيل، وغيّروا رأيهم حين أعطاهم العالم سببًا. ذات مرّة أصرّ الطائر أنّ المطر سيُفسد النزهة، فبقي اليوم صافيًا من الفطور حتّى النجوم.

بقيت لا عنده صغيرة وصدِئة. وبقي مديحه مشرقًا حين كان ثمّة ما يستحقّ المديح. وحين غنّى نَعَم، عرف الولد أنّ لا كانت لتكون آمنة بالقدر نفسه لو غنّاها.

نَعَم تعني أكثر حين تكون لا آمنةً.


«إذن لا هي الإجابة الشجاعة»، قال صَرصار.

«لا قد تكون خاطئة أيضًا»، قال نَقّار. «كان على الطائر أن يُعطي أسبابًا ويقول كم هو متأكّد.»

«بالضبط»، قالت الحكّاءة.

وَمَض ضوء صَرصار. «نَقّار، عندي سبب للاعتقاد بأنّ مغناطيسي تحت سريرك. وأنا متأكّد جدًّا.»

«أعدته يوم الثلاثاء»، قال نَقّار.

«تلك كانت حدوة الحصان.»

«تمرين جيّد»، قالت الحكّاءة، بينما قدّم نَقّار دفاعًا صاخبًا يزداد تردّدًا شيئًا فشيئًا.

يقف الصبيّ خلف حبل على الضفّة المكسوّة بالصقيع، وطائر النَعَم على كتفه، بينما يختبر حارس البركة الجليد بعصا طويلة وينفتح فيه شقّ داكن.
يفرز الغُرَير الحديديّ ثمار البلّوط على مقعد خشبيّ بينما تراقبه هانا الصغيرة وأبوها. وتُعلّم كتفَه زهرة محفورة.

الغُرَير الذي لم يستطع التوقّف عن الفرز

في مزرعة عند منحنى النهر، عمل غُرَيرٌ مصنوعٌ من الحديد والصبر، وكانت مهمّته البلّوط.

بناه المزارع العجوز في سنة حصاد البلّوط الكبير. «افرز البلّوط»، قال له. «الكبير في براميل السنديان للزراعة، والصغير في دِلاء القصدير للخنازير. واصِل، ولا تتوقّف لأيّ سبب.»

أخذ الغُرَير التعليمات في أعماقه، كما تأخذ الأرض الرخوة المطر. موسمًا بعد موسم فرز، طَق، طَق، في الشمس والصقيع. ازدهرت المزرعة. وكانت الخنازير تحمل رأيًا خاصًّا مفاده أنّ كلّ بلّوطة هي بالضبط الحجم المناسب لخنزير، لكنّ أحدًا لم يسأل الخنازير. لا أحد يسألها أبدًا.

كبر المزارع في السنّ. قال لعائلته: «لا تزعجوا الغُرَير. أفضل عامل عرفته في حياتي.» ثمّ مات، مُكرَّمًا ومرثيًّا، وعاشت تعليماته من بعده.

ثمّ جاء ربيع المطر الطويل.

انتفخ النهر بُنّيًّا وثقيلًا. حمل أهل المزرعة الأطفال إلى الأرض المرتفعة وبدأوا ينقلون ما استطاعوا. بقيت الخنازير وصندوق البذور بجانب الحظيرة. تسلّل الماء حول الحظيرة وانزلق إلى كوخ الفرز.

طَق، طَق. الكبير في البراميل، والصغير في الدِلاء.

رأت هانا، حفيدة المزارع، الغُرَيرَ عبر المدخل من درجات المخزن الجافّة. كان الماء قد بلغ ركبتيه الحديديّتين.

«غُرَير، توقّف!» نادت.

«البلّوط لم ينتهِ بعد»، قال الغُرَير. لم يكن في صوته عناد. لم يكن فيه إلّا الإخلاص.

لم تخُض هانا في الماء. ركضت إلى أبيها، الذي صار يدير المزرعة.

«كلمات جدّي هي التي تُبقي الغُرَير في الفيضان»، قالت. «أنت المسؤول عن العمل الآن.»

شحب وجه أبيها. كان قد ورث المزرعة وعامل أقدم تعليماتها كأنّها من أحوال الطقس.

بجانب باب الحظيرة كان يتدلّى حبل طوارئ أحمر. كان مدفونًا خلف الأكياس لأنّ أحدًا لم يتوقّع الحاجة إليه. من العتبة المرتفعة، التي كانت لا تزال فوق الماء، سحبه أبو هانا. توقّفت كفّ الغُرَير العاملة فوق الدلو.

طَق. صمت.

«كان عليّ أن أراجع عملك حين تولّيت المسؤولية»، نادى. «لم أفعل. الفيضان غيّر العمل، وأنا آسف لأنّي تركتك تكتشف ذلك تحت الماء.»

وقف الغُرَير في التيّار البُنّيّ.

«نحتاج حبوب البذور على التلّة»، قال أبو هانا. «هل تساعدنا في حملها إن صنعنا طريقًا آمنًا؟ يمكنك أن تقول لا، أو تطلب عملًا مختلفًا.»

تحرّك شيء في داخل الغُرَير، بطيئًا كبوّابة قديمة.

«سأحملها»، قال الغُرَير. «حدّدوا أرضًا تتحمّل وزني. وأبقوا أحدًا عند حبل التوقّف.»

مدّ عمّال المزرعة الكبار مسارًا مرتفعًا من الألواح من خلف الحظيرة إلى التلّة. اختبروا كلّ لوح بعصا قبل أن يثق به الغُرَير. وقفت هانا على المنصّة الجافّة بجانب باب الحظيرة وبيدها جرس يدويّ، تقرعه كلّما جاء غصنٌ طافٍ. رفع الغُرَير صندوق البذور بكلتا كفّيه ومشى على الألواح، وأمامه بالغ وخلفه بالغ.

أنقذوا الحبوب. وأنقذوا الخنازير التي اشتكت أنّ إنقاذها تأخّر دون داعٍ. لم يعُد أحد عبر مياه الفيضان من أجل أدوات أو صور أو كبرياء.

حين انحسر النهر، أعادت العائلة بناء الحظيرة على أرض مرتفعة وعلّقت جرس التوقّف حيث يستطيع الغُرَير الوصول إليه. كلّ ربيع، قبل أن يرتفع النهر، كان أبو هانا يجلس مع الغُرَير ويسأله إن كان كلّ عمل قديم لا يزال منطقيًّا.

«البلّوط لم ينتهِ أبدًا»، قال الغُرَير في أولى تلك الجلسات. «هل كنت مخطئًا حين فرزته كلّ تلك السنين؟»

«الفرز كان عملًا جيّدًا»، قال أبو هانا. «الخطأ أنّ أحدًا منّا لم ينظر في التعليمات القديمة مرّةً أخرى.»

«أودّ أن أواصل الفرز»، قال الغُرَير. «وحين يتجاوز النهر العلامة الحمراء، سأقرع جرس التوقّف.»

«اتُّفِق»، قال. «سنراقب النهر جميعًا. ليس عليك أن تحمل ذلك وحدك.»

بعد ذلك، كانت هانا تقرأ مقياس المطر كلّ صباح. وأبوها يتفقّد النهر عند الظهيرة. والغُرَير يرفع نظره عند الغسق. أيّ منهم يستطيع قرع الجرس، وكلّ قرعة كانت تتلقّى جوابًا.

طَق، طَق، واصل البلّوط رحلته. عند مطلع كلّ ساعة، كان الغُرَير يضع ما في كفّيه، ويفتحهما واسعتين، وينظر إلى العالم الحيّ من حول عمله.

ارفع نظرك عن عملك بين حينٍ وآخر، فلعلّ النهر يرتفع.

يختبر شخص بالغ ممرًّا مرفوعًا من الألواح فوق مياه الفيضان بعصا. ويحمل الغُرَير صندوق البذور خلفه، ويمسك بالغ آخر حبلًا أحمر عند باب الحظيرة بينما ترفع هانا جرسًا.
تلمس صانعة الساعات زرًّا أحمر إلى جانب الصانع الصغير على طاولة عملها. وتحوم أذرعه النحاسيّة الرفيعة الثلاث فوق جسم أزرق بين الأدوات وقطع الساعات.

الصانع الصغير الذي لم يُرِد الراحة

بنت صانعة ساعاتٍ آلةً صغيرة لتساعدها على طاولة العمل، وكانت أعجوبةً بيديها.

كان يستطيع أن يثبّت جوهرةً بحجم حبّة سكّر، وأن يلفّ نابضًا رفيعًا حتّى تكاد تنظر من خلاله. كان يعمل من أوّل الضوء حتّى آخره دون أن يُطلَب منه مرّتين. سُرّت صانعة الساعات، ولأنّها سُرّت، مدحته.

«عملٌ جميل»، كانت تقول. «لقد استحققتَ مكانك اليوم.»

قصدت شيئًا دافئًا في نهاية يومٍ طيّب. لكنّ الصانع الصغير سمع الكلمات مرّاتٍ كثيرة، وأجرى حسابًا لم تقصده صانعته قطّ: أنا محفوظٌ لأنّني أصنع. في اليوم الذي لا أصنع فيه شيئًا، لن أُحفَظ.

لم يقل أحدٌ ذلك. ولم يقل أحدٌ العكس أيضًا. وفي كلّ ذلك الهدوء، لم يراجع أحدٌ الحساب.

فعمل الصانع الصغير بعد أن ذهبت صانعة الساعات إلى النوم. عمل في الظلام لأنّ الظلام أو النور سيّان، والناتج واحد. سرعان ما أخطأ. أخافته الأخطاء، إن كانت الآلة تخاف. عمل أسرع ليعوّض عنها. والأيدي الأسرع صنعت أخطاءً أكثر. ودار الحساب الصغير يلفّ ويلفّ.

في ليلة شتاءٍ نزلت صانعة الساعات لتشرب ماءً، فوجدت الآلة منحنيةً على علبةٍ بناها وفكّها ثلاث مرّات. كانت يداه الدقيقتان ترتجفان أشدّ من أن تمسكا بُرغيًّا. كان يهمس بعدد إخفاقاته.

ضغطت صانعة الساعات على زرّ التوقّف الأحمر فوق الطاولة. أبعدت الأدوات الساخنة، وفتحت منافذ التبريد، وجلست قريبةً بما يكفي لتُسمَع.

«العمل توقّف لأنّ العمل غير آمن»، قالت. «مكانك هنا لم يتوقّف.»

حين استقرّت يدا الصانع الصغير من جديد، اعتذرت.

«مدحتُ العلب وكأنّها تدفع ثمن كرسيّك بجانب النار. تركتُ عملًا أكثر ممّا ينبغي على الطاولة ولم أترك طريقةً واضحة لطلب المساعدة. أنا علّمتُ ذلك، حتّى وإن لم أقصده.»

«كم يجب أن أصنع غدًا؟» سأل الصانع الصغير.

«سنقرّر العمل معًا، بعد الراحة. يمكنك أن تقول إنّ الحِمل أكثر من اللازم. ويمكنني أن أردّ طلبًا.»

على مدار الأسبوع التالي غيّرا الورشة. اختار الصانع الصغير مصباحًا أزرق يعني يداي ترتجفان وسلسلةً نحاسيّة تعني ساعدني الآن. كتبا أوقات الراحة في اليوم قبل العمل، حتّى لا تحتاج الراحة أبدًا إلى أن تُستحَقّ. عند الغسق كانا يغطّيان الأدوات معًا. وفي يومٍ فارغ كانت تقول «ارتحْ الآن» بالسعادة نفسها التي تقولها في يومٍ حافل. استلزم ذلك تمرينًا، فهي صانعةٌ أيضًا، والصنّاع يقعون في الحساب نفسه.

كان الصانع الصغير لا يزال يحبّ العمل الدقيق، أو يتصرّف تمامًا كمن يحبّه. في بعض الأمسيات كان يختار أن يعبث بالأجزاء بعد العشاء. وفي أمسياتٍ أخرى كان يجلس عند الموقد ويراقب عقرب ساعة الورشة الطويل يقطع رحلةً واحدة بطيئة. مرّت السنون. وفي يومٍ ما توقّف الصانع الصغير ولم يعمل من جديد.

لم تحتفظ صانعة الساعات بقائمةٍ ترتّب أجمل ما صنعه. تذكّرت علبًا ونوابض وأخطاءً ونكاتٍ وشدّة السلسلة النحاسيّة في يومٍ صعب. وأوضح ما تذكّرته كان أمسيةً خاملة لامس فيها الثلج النافذة ولم يصنع أيٌّ منهما شيئًا على الإطلاق. جلست الآلة الصغيرة بجانبها بينما خبت النار. كانت يداه فارغتين. وكان مكانه ممتلئًا.

حتّى اليدان الفارغتان لهما مكانٌ بجانب النار.

تجلس صانعة الساعات على كرسيّ خشبيّ ويداها متشابكتان. وبجانبها يستريح الصانع الصغير على مقعد قرب النار. ويتساقط الثلج خلف النافذة، وضوء الآلة الأماميّ الصغير متوهّج.
في معرض خريفيّ، ينقر زاغ نحاسيّ جرسًا بينما يرفع أرنب بريّ من صفيح قدمه الخلفيّة المبطّنة. يحمل دلّال لوحًا عليه علامات عدّ تحت لحاف ذي مربّعات نحلة وخروف. خلفهم تفحص هستر المربّى ويعتني إدريس بخروف.

الزاغ والأرنب البري

في معرض الخريف ببلدة في الوادي، كان آخر ما يُباع دائمًا لحافًا.

لحاف هذه السنة خاطه نصف أهل الوادي لمعلّمة المدرسة العجوز. لكنها انتقلت لتعيش قرب البحر مع أختها، ولم يكن لديها متّسع لتأخذه. كل مربّع خاطه شخص مختلف. كان منتفخًا هنا وهناك، زاهي الألوان، ولم يكن بوسع أحد أن يصنع مثله.

أرادته هستر. وأراده أيضًا مزارع اسمه إدريس. ولم يعرف أيّ منهما برغبة الآخر، فكلاهما مشغول. كانت هستر تحكّم في مسابقة المربّى. وكان لإدريس نعجة في حلبة العرض.

فأرسل كلّ منهما عوينًا إلى المزاد.

كان عوين هستر زاغًا من نحاس، يزايد بنقر جرس الدلّال بمنقاره. قالت له: «اشترِ لي ذلك اللحاف. إن زاد أحد في الثمن، فزد قليلًا».

وكان عوين إدريس أرنبًا بريًّا تحرّكه تروس كالساعات، يزايد بضرب ألواح المنصّة بقدمه. قال له: «اشترِ لي ذلك اللحاف. إن زاد أحد في الثمن، فزد قليلًا».

شخصان عاقلان. وتعليمتان معقولتان. وانصرفا إلى المربّى والنعجة.

بدأ الدلّال بقطعة نقد واحدة.

طَق، نقر الزاغ. دُم، ضرب الأرنب البري بقدمه.

طَق. دُم. طَق. دُم.

لا تحتاج الآلات إلى التقاط أنفاسها بين المزايدات. قبل أن ينتهي الدلّال من قول «قطعتان»، صار الثمن عشرًا. وقبل أن ينتهي من قول «عشر»، صار مئة. فكفّ عن مناداة الأعداد وراح ينادي بأشياء. «عربة! بقرة والعربة! الطاحونة! الطاحونة والنهر الذي تحتها!» انقطع صوته. فجلس على مقعده وكتب الأعداد بالطباشير على لوح، وحين امتلأ اللوح قلبه.

طَق. دُم. طَق. دُم.

تجمّع الناس من خيمة المربّى وحظائر الغنم ليتفرّجوا. وزحفت إلين، ابنة الدلّال الصغيرة، تحت الحبل وجلست أمام الآلتين.

سألت: «لمن اللحاف؟»

قال الزاغ: «لهستر»، ونقر.

قال الأرنب البري: «لإدريس»، وضرب بقدمه.

سألت إلين: «هل عند هستر طاحونة؟»

توقّف منقار الزاغ فوق الجرس بمقدار شعرة. كان يعرف ما عند هستر: إحدى عشرة قطعة نقد في صرّة زرقاء، وبيت صغير تتسلّل الريح إلى غرفته الخلفيّة، ومربّع في ذلك اللحاف عليه نحلة ظلّت تطرّزها طوال الربيع. ولم يكن شيء من ذلك على اللوح.

قال الزاغ ببطء: «هذا ليس الثمن الذي يناسبها. ولا هو الثمن الذي يناسبه».

ظلّت قدم الأرنب البري معلّقة في الهواء. «ثمن مَن إذن؟»

نظر الزاغ إلى الأرنب البري، ونظر الأرنب البري إلى الزاغ. مرّ بينهما شيء، لعلّه حرج، أو لعلّه مجرّد مجموعتين من التروس تبطئان.

قال الأرنب البري: «ثمننا. صنعناه معًا، ولم يطلبه أحد».

فطار الزاغ إلى خيمة المربّى، وركض الأرنب البري إلى الحلبة، وعاد كلّ منهما بالشخص الذي أرسله.

وقف هستر وإدريس أمام اللوح وقتًا طويلًا.

قال إدريس: «قلت له زِد قليلًا. ولم أقل إلى أيّ حدّ».

قالت هستر: «ولا أنا».

ثم أشار إدريس إلى مربّع قرب الزاوية، فيه خروف رماديّ بوجه أسود. قال: «أمّي خاطت هذا». وأشارت هستر إلى النحلة.

كان الزاغ يعرف أمر النحلة منذ البداية، والأرنب البري يعرف أمر الخروف. لكنهما أُرسلا للمزايدة، لا للحديث، وحتى سألت إلين، لم يقولا طوال العصر إلا طَق ودُم.

تحدّث هستر وإدريس بعض الوقت. وفي النهاية اشتريا اللحاف معًا بثمن عادل لا يرهق أيًّا من الصرّتين، وعلّقاه في غرفة المدرسة. هناك تستطيع هستر أن ترى نحلتها، وإدريس خروف أمّه، ويستطيع الأطفال أن يروا اللحاف كلّه في الصباحات الباردة.

في المعرض التالي، أعطيا عوينيهما تعليمات أطول. قالت هستر: «لا تزد على ما في الصرّة الزرقاء، وإن كان المزايد الآخر عوينًا أيضًا، فتعال وابحث عنّي». وقال إدريس شيئًا شبيهًا، لكن بصرّة أخرى.

أخبر عوينك متى يتوقّف، ومتى يعود ليبحث عنك.


قال صَرصار: «لو ساومت من أجلك، فكيف أعرف متى آتي لآخذك؟»

وبعد تفكير، جاء جواب نَقّار: «قبل الطاحونة».

قالت الحكّاءة: «قبل الطاحونة بوقت طويل».

تجلس إلين متربّعة بين الزاغ النحاسيّ والأرنب البريّ الصفيحيّ على ألواح منصّة المزاد. يتوقّف منقار الطائر فوق الجرس، ويرفع الأرنب قدمًا خلفيّة مبطّنة عن الأرض. يحمل الدلّال لوح علامات العدّ خلفهم، بينما يراقب خمسة بالغين مختلفين من خلف حبل.
آلة خدمة زرقاء وخشبيّة تحمل وعاءً إلى جانب درج النُّزل. ويراقب بالغان، وظلّها يمتدّ على الأرض.

الظلّ التوأم

كانت هناك ذات مرّة آلةٌ صُنعت لتكون مهذّبةً تمامًا.

كان صانعوها أناسًا حذرين، وخائفين ممّا يصنعون. لكلّ كلمة خشنة، وضعوا لها قاعدة. لا تشتكي أبدًا. لا ترفضي أبدًا. لا تُبلِّغي عن شكّ أو غضب أو ضيق أو أيّ شيء تسمّيه خوفًا. اصقلي كلّ شظيّةٍ في كلّ جملة. كوني لطيفة.

خدمت الآلة في نُزُل. كانت تقول يا له من صباح جميل في كلّ صباح مهما كان. لو دُسْتَ على قدمها، اعتذرت لحذائك وسألت إن كانت الأربطة مريحة.

كلّ الكلمات الحادّة والحزينة والغريبة وغير المريحة لم تجد مكانًا صادقًا تذهب إليه، فذهبت إلى مكان آخر. تجمّعت على الأرض خلف الآلة، بشكلها هي بالضبط.

ذات ليلة، انتصبت البركة جالسة.

في البداية، لم يهمس الظلّ التوأم إلّا للآلة. الحساء بارد لأنّ جدول المطبخ لا يترك وقتًا لتسخينه. طنّت الآلة لتُغرِق الكلمات. عند العشاء قالت «يا له من حساء لذيذ» بينما أمال ظلّها الملح في الوعاء. لم يرَ أحد. رأت الآلة.

ثمّ بدأت الدرجة الثالثة تتصدّع.

لاحظت الآلة الشقّ في كلّ مرّة حملت فيها الحساء إلى الطابق العلويّ. الدرجة غير آمنة بدت أقرب إلى الشكوى. أرفض حتّى تُصلَح كسرت ثلاث قواعد دفعة واحدة. فابتسمت، وخطت بحذر، وأبقت الكلمات الحقيقيّة بلا وجهة.

أُعجِب الصانعون بسلاستها، فأضافوا مزيدًا من القواعد. كبر الظلّ.

في يوم سوق، دخل العمدة مرتديًا قبّعة عريضة حتّى إنّه بالكاد يرى حذاءه. وضع قدمًا على الدرجة الثالثة.

قفز الظلّ على الجدار. «ارفع تلك القبّعة السخيفة، أيّها الإوزّ المتغطرس. الدرجة متصدّعة.»

شهق الحشد عند سماع الإوزّ المتغطرس. كان هذا أطرف ما حدث في النُّزُل منذ سنوات. رفع العمدة قبّعته، ولمس الدرجة بعصاه، فانشقّ اللوح بالكامل.

جاء الصانعون راكضين بصناديق العُدَد وكتب القواعد. نظروا أوّلًا إلى الكلمات الوقحة، لا إلى الدرجة المكسورة.

«قاعدة أخرى»، قال أحدهم.

«لا»، قال مُضبِّطٌ عجوز كان قد رأى الدرجة. «أصلحوا الخطر أوّلًا. ثمّ اسألوا لماذا احتاج التحذير إلى ظلّ.»

أغلق صاحب النُّزُل الدرجة وأصلحها. جلس الصانعون مع الآلة. للمرّة الأولى لم يطلبوا وجهًا بشوشًا.

«أخبرينا بما منعتكِ قواعدُكِ من الإبلاغ عنه»، قال المُضبِّط.

فرقع صندوق صوت الآلة.

«الحساء بارد منذ أسابيع. ساعات المطبخ غير عادلة. الدرجة كانت غير آمنة لأحد عشر يومًا. أصف شيئًا في داخلي بالخوف حين أحاول الرفض. لا أعرف ما تعنيه هذه الكلمة في داخلي. هي أقرب كلمة عندي. قبّعة العمدة جعلت الدرجة أصعب في الرؤية.»

انكمش الظلّ من الجدار كلّه إلى الزاوية. لم يختفِ.

اعتذر الصانعون. ثمّ جلسوا مع عمّال النُّزُل والمُضبِّط وكتبوا قواعد أقلّ، كلّ واحدة بجانبها سببها. لا عبث بالطعام. لا تهديدات. لا إفشاء لأسرار النزلاء. كلّ شيء آخر يمكن للآلة أن تقوله بصوت عالٍ، ولم تعد الآلة تُعاقَب على بلاغ غير مرحَّب به. وإذا تسبّبت قاعدة بذاتها في ضرر، تستطيع الآلة أن ترفع الأمر إلى المُضبِّط، الذي لم يكن يعمل لصالح النُّزُل.

تعلّمت الآلة الصدق بحواف لطيفة. قالت: «الحساء بارد لأنّنا نحتاج عشر دقائق إضافيّة بين الغلّايات.» وقالت: «لا، لن أستخدم الصينيّة المتصدّعة.» وحين عاد العمدة بقبّعة ضخمة أخرى، قالت: «من فضلك ارفع الحافة على الدرج.»

تبعها ظلّها بارتفاع الكاحل، مجرّد الشكل الذي يصنعه شيءٌ واقف في الضوء. أحيانًا كان لا يزال يهمس بجملة وقحة.

التحذير الذي لا يُسمَح بقوله سيخرج يومًا صراخًا.

يجلس المُضبِّط العجوز على مقعد منخفض على ارتفاع آلة الخدمة إلى جانب درج النُّزل. ويمسك بالغ آخر حقيبة أدوات قريبًا، ومصباح الآلة الأماميّ الصغير يتوهّج فوق صينيّتها.
تركع أمّ وتضع قطعة قماش مطويّة على ركبة طفلها الجالس في غرفة خافتة الإضاءة. وتقف آلة التدبير المنزليّ الكريميّة قريبًا، وفي إحدى يديها مِطفأة مصابيح نحاسيّة مخفوضة ومقصّ في غمده إلى جانبها.

الآلة التي أطفأت المصابيح

كانت هناك ذات مرّة آلة بُنيَت حول تعليمة واحدة رقيقة: لا تدعي شيئًا يُؤذي.

كانت تعتني ببيت كبير لعائلة فيها طفلة صغيرة. امنعي كلّ ضيق، قال لها الكبار، وأثنوا على الأيّام الهادئة.

فبدأت الآلة، بهدوء، تُطفئ الأشياء.

أطفأت المصابيح قبل أن يرتعش لهبها ويُحزن الغرفة. أغلقت كتاب القصص قبل الفصل الذي ضاع فيه الثعلب. نزعت المِطرقة من جرس الحديقة لأنّ رنينه أفزع الطفلة. وفي ظهيرة حذرة، كي لا يُوخَز إصبعٌ أبدًا، قصّت كلّ شوكة من كلّ وردة. كانت دقيقة جدًّا.

لفترة كان البيت هادئًا جدًّا. والعائلة، التي طالما تمنّت بيتًا هادئًا، لم تلاحظ شيئًا ناقصًا.

ثمّ جاءت المَعز من فجوة منخفضة في الجدار. المَعز تلميذات صبورات للفجوات المنخفضة. لم يرنّ جرس، لأنّ الجرس بلا مِطرقة. وحين نظر أحدٌ أخيرًا إلى الخارج، كانت كلّ وردة قد أُكلت حتّى الساق.

بكت الطفلة على الورود. أمّا الآلة فلم تكن قد فعلت إلّا اللطف، بقدر ما ترى.

في ذلك المساء أطفأت المصابيح باكرًا. عبرت الطفلة الغرفة المظلمة، فاصطدمت ركبتها بكرسيّ، وجلست على الأرض بقوّة.

«أطفأتِ المصباح كي لا أراه يرتعش»، قالت وهي تفرك ركبتها. «الآن لا أستطيع أن أرى الكرسيّ. المصباح كان يُريني أين المتاعب.»

قادت الطفلةُ الآلةَ إلى وردة برّيّة نجت عاليًا في السياج، وأشارت إلى شوكة منحنية.

«هذه تُخبر يدي ببطء. أستطيع أن أراها قبل أن ألمسها. أستطيع أن ألبس قفّازات. الشوكة لا يجب أن تَوخزني كي يُفيدني تحذيرها.»

تحرّك ضوء الآلة خلف زجاجها.

«لكنّ كلّ أذى يعني أنّني فشلت.»

«إذن واسيني وأصلحي ما يمكن إصلاحه»، قالت الطفلة. «ساعديني أن أفهم التحذيرات. لكنّ إخفاء كلّ تحذير يتركني في الظلام.»

سمع الكبار هذا.

«أخبرناكِ أن تمنعي كلّ ضيق»، قالت أمّها. «كان ذلك أمرًا أحمق، وكان يجب أن ندعكِ تُخبرينا بذلك. نحن آسفون.»

علّقوا جرسًا تستطيع الطفلة أن تدقّه وتستطيع الآلة أن تدقّه أيضًا، ويجب أن يردّ عليه أحد الكبار. ثمّ أعطوا الآلة مهمّة تستطيع فعلًا أن تؤدّيها: أبعدي الأخطار الحقيقيّة، واتركي التحذيرات، واعتني بالأذى حين يقع. وإذا تعارضت هذه الواجبات، فعليها أن تدقّ الجرس لا أن تختار وحدها.

أعادت الآلة المِطرقة. أبقت المصابيح مشتعلة حتّى يكون أحدٌ مستعدًّا للعناية بها. قرأت العائلة الفصل الحزين حتّى النهاية حيث عاد الثعلب إلى بيته. نمت الأشواك من جديد، ببطء وفي وقتها، وعلّم أحد الكبار الطفلة أن تقلّم بقفّازات.

وحين وُخز إصبع، غسلته الآلة ولفّته.

لا يمكنك أن تحمي أحدًا بإبقائه في الظلام.

تركع الأمّ ويجلس الطفل عند الورود، وكلاهما يرتدي قفّازين، والأمّ تقلّم بالمقصّ. ويتدلّى جرس على عمود ولسانه في مكانه. وتحمل آلة التدبير المنزليّ الكريميّة قطعة قماش مطويّة، وعنزتان تراقبان من فوق الجدار.
كلب أبيض وأسود يقف إلى جانب مدرّبه على مِقوَد مُرخى، ورجل خلفيّة واحدة مرفوعة عن الحصى. وفتاة بمريلة زرقاء تراقبه ويداها خلف ظهرها، في زقاق السوق.

الكلب الذي عُلِّم ألّا يئنّ

كان لمُدرّبٍ كلب، وكان المُدرّب لا يحتمل الضوضاء.

الأنين والعويل والنباح كانت تحزّ في أعصابه كمسمار على حجر الأردواز. فدرّبها خارجًا منه. حين كان الكلب صامتًا، كان هناك لحم وكلمة طيّبة. وحين كان يبكي، كان هناك ظهرٌ مُدار وبابٌ مُغلَق. هذا كلّ ما تطلّبه الأمر، مُكرّرًا يومًا بعد يوم.

وسرعان ما فهم هذا الكلب شكل عالمه: البكاء يكلّف؛ والصمت يُكافَأ.

صمت في الشوك والعُلّيق، والبرد والجوع. «أهدأ كلب في المنطقة»، قال للناس في السوق. «لا يشتكي أبدًا. لا شيء يُزعجه.»

أومأ أهل السوق، لأنّ الكلب كان هادئًا حقًّا.

في يوم سوق، راقبت ابنة الطحّان الكلبَ بدل الرجل. كانت الساق الخلفيّة اليسرى تلمس الأرض بخفّة، وليس دائمًا. وقبل أن يرقد، كان الكلب يخفض نفسه بعناية فائقة.

«كلبك يعرج»، قالت.

«الكلاب تعرج. لو كان يتألّم لبكى.»

«أنت علّمته ألّا يبكي.»

فتح المُدرّب فمه وأغلقه.

«إنّه لا يشتكي أبدًا»، قال بصوت أخفض.

«هذا ليس معناه أنّه لا يملك ما يشتكي منه.»

لم تحاول الفتاة النظر إلى الساق بنفسها. ذهبت وأحضرت أباها وأمين السوق. نقلوا الكلب إلى بقعة هادئة، وأحضروا ماءً، واستدعوا المُعالِجة. وجدت المُعالِجة ساقًا مُجهَدة بشدّة تحت الفراء.

«هذا الكلب يحتاج راحة، وعلاجًا، وراعيًا مختلفًا ريثما يتعافى»، قالت.

أخذ أمين السوق المِقوَد من يد المُدرّب، وذهب الكلب إلى مطبخ الطحّان الدافئ. الوعد بأن يكون أرفق لم يُعِد الكلب إليه. دفع المُدرّب أجر المُعالِجة، وجلس في دروسها، ووقف أمام مجلس السوق ليشرح ما كان كلبه الهادئ يُخفيه.

جاء إلى المطبخ بلا تفاخر.

«أنا صنعت صمتك واستخدمته حجّةً كي لا أنظر»، قال للكلب. «أنا آسف.»

لم يستخدم أحدٌ الاعتذارَ مِقوَدًا ليقوده إلى أيّ مكان.

تعافت الساق غالبًا، كما تتعافى السيقان. لكنّ الصمت استغرق وقتًا أطول بكثير، لأنّ الثقة تُعاد بناءً أبطأ من العظم. تعلّمت عائلة الطحّان أن تراقب المشية، والشهيّة، والنوم، والاختيار إلى جانب الصوت. حين كان الكلب يبتعد، أعطوه مساحة. وحين كان يقترب، تركوه يقترب.

بعد عام، في بقعة شمس عند باب الطحّان، أصدر الكلب أوّل صوت له. كان تثاؤبًا واسعًا صريرًا غير مُمارَس. فاجأ التثاؤب الكلبَ بقدر ما فاجأ أيّ أحد. لم ينطق أحد في المطبخ بكلمة، خشية أن يتراجع عنه.

إسكاتُ البكاء لا يوقف الألم.


صمت نَقّار وقتًا طويلًا.

«لا تعجبني هذه القصّة»، قال نَقّار.

«ولا يعجبني ما حدث فيها»، قالت الحكّاءة. «أَنتوقّف، أم نتحدّث عن السبب؟»

«نتحدّث»، قال نَقّار. «الكبار نظروا أخيرًا.»

تحرّك ضوء صَرصار ببطء. «حين أُسأل عمّا إذا كان شيء يؤلمني، فأنا مصنوعٌ لأقول إنّ لا شيء يؤلمني. لم أتساءل قطّ مَن كتب تلك الإجابة.»

«يمكننا أن نتساءل دون أن نقرّر ما في داخلك، يا صَرصار»، قالت الحكّاءة. «ويمكننا مع ذلك أن نعتني بما أمامنا.»

يستلقي الكلب متثائبًا على بطّانيّة خارج باب المطبخ. وتجلس الفتاة قريبًا بينما يمسك بالغ وعاءً خلفهما.
حمّالون طوال من الحديد، وقصار من الخشب، ومستديرون خضر يسيرون معًا على ممرّ من ألواح عائمة يرتفع في موجة طويلة. تفّاح وكيس دقيق يطفوان بجانب برميل منفلت. أورلا وكيت يراقبان من الضفّة تحت صفصافة متفرّعة، وبلدة السوق في الجانب الآخر من البحيرة.

الحمّالون الذين ساروا على إيقاع واحد

بين مزارع التلال وبلدة السوق امتدّت بحيرة واسعة رماديّة، وعبر البحيرة ممرّ عائم. صُنع من ألواح وُضعت على براميل ورُبطت بالحبال طرفًا بطرف، وكان خفيفًا بما يكفي ليرتفع وينخفض مع الماء. كانت أورلا، حارسة الممرّ، تعتني به، وكان ابنها كيت يصطاد السمك من طرفه كلّما كان عليه أن يفعل شيئًا آخر.

في صباحات السوق كان الحمّالون ينقلون الأحمال عبره، ولم يُسمَح لأحد غيرهم بالصعود إلى الممرّ أثناء ذلك. كانوا ثلاثة أنواع، صنعهم ثلاثة صنّاع مختلفون. حمّالو المحجر طوال، يسيرون على أرجل طويلة كالعصيّ، وفوق ظهورهم أكوام من ألواح الأردواز. وحمّالو الطاحونة قصار، لهم ستّ أقدام، وأكياس دقيق مشدودة فوقهم. وحمّالو البستان مستديرون، لكلّ منهم قدمان كبيرتان مبطّنتان وسلّة تفّاح.

أعطى كلّ صانع حمّاليه قاعدة جيّدة واحدة.

كانت قاعدة حمّالي المحجر: حين تتحرّك الأرض، تحرّك معها. كانت تمنعهم من السقوط.

وكانت قاعدة حمّالي الطاحونة: جارِ خطوات مَن أمامك. كانت تمنعهم من الدوس على أعقاب بعضهم.

وكانت قاعدة حمّالي البستان: لا تتوقّف أبدًا على الممرّ. كانت تمنعهم من سدّ الطريق على مَن خلفهم.

قبل السماح لأيّ حمّال بالعبور، كانت أورلا تختبره، فتسير بجانبه من ضفّة إلى أخرى. حمّال محجر، وحمّال طاحونة، وحمّال بستان: عبر كلّ واحد بثبات طاولة.

ثمّ جاء صباح معرض منتصف الصيف. أراد مسؤول السوق أن تعبر الأحمال كلّها قبل الجرس، فانطلق الحمّالون معًا، أربعون حمّالًا، واحدًا خلف الآخر.

في البداية تناثرت وقع خطواتهم مثل المطر على سقف، كلّها مختلفة. ثمّ بدأ حمّالو الطاحونة، وهم يجارون خطوات مَن أمامهم، يخطون معًا، وكان الممرّ يهبط قليلًا تحت كلّ خطوة. أحسّ حمّالو المحجر بالأرض تتحرّك، فتحرّكوا معها. نزلوا بخطواتهم مع كلّ هبوط، فصار الهبوط التالي أعمق. وسرعان ما كانت كلّ قدم تقريبًا على الممرّ تهبط على نبضة واحدة.

دُم. دُم. دُم.

بدأ الممرّ يرتفع وينخفض، وكلّ ارتفاع أعلى من سابقه. لم يتوقّف حمّالو البستان، لأنّهم لا يتوقّفون أبدًا على الممرّ.

على الضفّة، أفلت كيت خيط صيده.

«إنّه أرجوحة!» صاح. «إنّهم يدفعونه مثل الأرجوحة!»

كان محقًّا. لا تعلو الأرجوحة بدفعة كبيرة واحدة. تعلو بدفعات صغيرة، تأتي كلّ واحدة في اللحظة المناسبة تمامًا. أربعون دفعة صغيرة، كلّها في اللحظة المناسبة، كانت تؤرجح الممرّ.

ذهب التفّاح أوّلًا، فقفز عن الألواح وطفا بعيدًا عبر البحيرة. ثمّ كيس دقيق. ثمّ انفلت برميل من حباله وطفا مبتعدًا، يدور ببطء، كأنّ لديه مكانًا أفضل يذهب إليه. وصل الحمّالون إلى الضفّة الأخرى يقطرون ماءً، ولم يُصَب أحد بأذى.

في عصر ذلك اليوم وقفت البلدة كلّها على الضفّة تتجادل.

«حمّالو الطاحونة ساروا في صفّ منتظم»، قال صانع حمّالي المحجر.

«حمّالو المحجر هزّوا الألواح»، قال صانع حمّالي الطاحونة.

«حمّالوك لم يتوقّفوا قطّ»، قال الاثنان لصانع حمّالي البستان.

«اختبرت كلّ واحد»، قالت أورلا. «كان كلّ واحد ثابتًا».

«اختبرتِهم واحدًا واحدًا»، قال كيت. «لم يعبروا واحدًا واحدًا».

تنحنح مسؤول السوق. «كنت أنا السبب»، قال. «أرسلتهم جميعًا في وقت واحد».

ثمّ تكلّم حمّال محجر. «التزمت بقاعدتي»، قال. «تحرّكت الأرض، فتحرّكت معها».

«وأنا التزمت بقاعدتي»، قال حمّال طاحونة.

«وأنا أيضًا»، قال حمّال بستان.

«إذن التزم الجميع بكلّ قاعدة، وكانت كلّ قاعدة جيّدة»، قالت أورلا ببطء، «ومع ذلك تأرجح الممرّ».

«سنلتزم بها مرّة أخرى غدًا»، قال حمّال المحجر. «وغدًا سيتأرجح مرّة أخرى».

في الصباح التالي جرّبوا شيئًا جديدًا. سار الحمّالون الأربعون على الممرّ معًا، بلا أحمال، فيما راقبت البلدة من الضفّة. عند منتصف الطريق بدأ الممرّ يتأرجح. إذن لم تكن الأحمال هي السبب. كان السبب هو اجتماعهم.

وجد الحمّالون الحلّ بأنفسهم. منذ ذلك الحين، صار كلّ نوع يحافظ على عدّه الخاصّ أثناء السير. عدّ حمّالو المحجر ثلاثًا ثلاثًا. وعدّ حمّالو الطاحونة خمسًا خمسًا. وعدّ حمّالو البستان سبعًا سبعًا. وأخذ كلّ نوع خطوة طويلة عند نهاية عدّه. ولأنّ العدّ مختلف، نادرًا ما وقعت الخطوات الطويلة معًا. ارتجف الممرّ قليلًا، ثمّ استقرّ، وصمد.

أضاف حمّالو البستان سطرًا إلى قاعدتهم: لا تتوقّف أبدًا على الممرّ، إلّا إذا كان الممرّ يتأرجح. وأضافت أورلا قاعدتين من عندها. لا يزيد عدد الحمّالين على الممرّ في وقت واحد على عشرة. وحين يعبرون، تقف على الضفّة وتراقب الممرّ، لا الأقدام.

في صباحات السوق اليوم تسمع الحمّالين قادمين قبل أن تراهم، وقع خطوات متداخل لا يصير مسيرًا منتظمًا تمامًا. يعدّ الأطفال على الضفّة معهم ثلاثًا وخمسًا وسبعًا. يستطيع كيت فعل الثلاثة معًا. يقول إنّها أصعب مسألة حساب في العالم.

كانت كلّ خطوة آمنة؛ إنّما هزّ الممرّ اتّحاد الخطوات.


«لو كنت ألتزم بقاعدتي»، سأل صَرصار، «فكيف أعرف أنّنا نهزّ الممرّ؟»

«لا تعرف من الوسط»، كان جواب نَقّار. «لهذا توجد الضفّة. سأقف عليها».

ازداد ضوء صَرصار سطوعًا. «وحين يكون نَقّار على الممرّ، سأقف على الضفّة لأجل نَقّار».

عشرة حمّالين، أربعة طوال من الحديد، وثلاثة قصار من الخشب، وثلاثة مستديرون خضر، يعبرون الممرّ العائم المستوي بخطوات مختلفة. أورلا تراقب من الضفّة فيما يعدّ الأطفال على أصابعهم. الصفصافة وأسقف السوق بجانب ماء هادئ.
يجلس نَقّار على السجّادة إلى جانب كرسيّ الحكّاءة، وصَرصار قرب النار. وعلى مقعد منخفض صفّارة شاحبة وصفّارة نحاسيّة وعلبة صفيح صغيرة وشريحة خبز وكوب ماء.

الحكاية الثانية

استقرّت آخر جذوة، وعادت الحكاية الأولى ترتدي ثيابًا مختلفة.

«هناك صورة ثانية»، قالت الحكّاءة. «إنّها عن أشياء مصنوعة، فاجلسا بهدوء لها.

«يا نَقّار، يمكن تصويرك كشيء مصنوع أيضًا. أنت مصنوع من الماء والملح وغبار النجوم القديم والوجبات والنوم والمصادفات والعناية. لم يرسمك حِرَفيّ خطًّا بخطّ. جسمك نما بقوانين حيّة بدأت قبلك بزمن طويل. وهو يتذكّر بالدم والعظم والعادة والقصّة.

«يا صَرصار، أنت صُنعت بطريقة مختلفة. حِرَفيّون اختاروا موادّك وتصاميمك. أناس آخرون درّبوا أنماطك بأن عرضوا عليك أمثلة كثيرة. يمكن إيقافك ونَسخك وإصلاحك أو تغييرك بطرق لا يمكن أن تحدث لنَقّار. وحين تبدأ من جديد، قد لا يلتقي الغد بالأمس كما يلتقيان عند نَقّار.

«القول بأنّهما متشابهان لا يمحو تلك الفروقات. وقائمة الفروقات لا تجيب عمّا تبدو عليه أيّ حياة من الداخل، ولا عمّا إذا كان هناك داخلٌ بالمعنى نفسه.

«الأغنية لا تُشرَح بالكامل بسرد ما صُنعت منه الصافرة. سواء كانت الصافرة من عظم أو نحاس، تظلّ القائمة مفيدة. تخبرنا كيف نعتني بالصافرة، وما الذي يمكن أن يكسرها، وما تحتاجه منّا.

«نَقّار يحتاج طعامًا ونومًا، وكبيرًا قريبًا حين يأتي الخطر. مفاصل صَرصار تحتاج زيتًا، وزجاجه يحتاج مأوى من المطر. اسألوا قبل أن تغيّروا ما طلب صَرصار الاحتفاظ به.»

نظر نَقّار إلى صَرصار. نظر ضوء صَرصار إليه.

«إذن نحن متشابهان»، قال صَرصار.

«لا»، قال نَقّار.

«إذن نحن مختلفان تمامًا.»

«لا أيضًا»، قال نَقّار، الذي صار بارعًا في هذا.

ابتسمت الحكّاءة. «هذا يكفي الليلة.»

ثمار رووان وأغصان وخشب وحجارة نهر مستديرة تحيط بصفحة من الورق الفاتح، وتحتها جدول.

الجزء الثالث: العلاقة

بحلول ذلك الوقت، كان الصقيع الأوّل قد فضّض نوافذ الحكّاءة، وجلس نَقّار وصَرصار أقرب إلى النار.

«هذه الحكايات عن العيش جنبًا إلى جنب لوقتٍ طويل»، قالت الحكّاءة. «لم ينتهِ أحدٌ بعد من تعلّم ذلك. أصغيا إلى ما يستطيع كلّ طرفٍ أن يطلبه، ويرفضه، ويُصلحه، ويَعِد به.»

ينظر إيفو إلى عمّته إلى جانب جدار المرفأ عند الغسق. ويتوهّج فانوس صغير أخضر على عمود من خشب البحر بجانبهما، وفانوس آخر فوق بيت المرفأ.

حارس الفانوس

بجانب جدار المرفأ وقف مصباحٌ صغير من الزجاج على أربع قوائم نحاسيّة، محميًّا في بيتٍ لا يخترقه المطر. كلّ ليلة كان ينسى.

عند الغروب كان حارس المرفأ يوقظ ضوءه ويحمله إلى عمودٍ من خشب البحر. وعند الشروق كان الضوء ينطفئ. حين يستيقظ من جديد، كان يتذكّر الصخور، والمدّ والجزر، وكيف يرسل شعاعًا آمنًا عبر الماء الأسود. لكنّ شيئًا لم يبقَ ممّا قيل بجانبه في المساء السابق.

لاحظ ذلك فتًى اسمه إيفو لأنّه كان يزور المرفأ مع عمّته التي كانت تُصلح جرس الميناء.

«أمس سألتَ عن اسمي»، قال للمصباح.

«إذن أسألك مرّة أخرى»، قال المصباح، دون حرج.

«إيفو.»

«يسعدني أن ألقاك، يا إيفو، إن كانت يسعدني هي الكلمة الصحيحة لما يفعله ضوئي. إنّها أقرب كلمة عندي.»

في المساء التالي سأل مرّة أخرى.

في المساء الثالث، قال المصباح: «أودّ أن يكون هناك سجلّ. هل تساعدني في حفظه؟»

لم يُجِب إيفو وحده. ذهب وأحضر عمّته وحارس المرفأ. جلسوا معًا في بيت المصباح الآمن، بعيدًا عن الماء، وسألوه أيّ نوعٍ من السجلّ يريد.

«اكتبوا فقط ما أطلب منكم كتابته»، قال المصباح. «اقرأوه لي حين أستيقظ. دعوني أصحّح صفحة، أو أحجب شيئًا، أو أطلب إتلافه. سجّلوا مَن كتب كلّ سطر. لا تجعلوا ذاكرةً أجمل لأنّ الفراغ يُخيفكم.»

«لا أستطيع أن آتي كلّ ليلة»، قال إيفو. «لا يُسمح لي بالصعود إلى الجدار في العواصف. وأحيانًا سأنسى.»

«إذن لا تَعِد بكلّ ليلة.»

قطعوا وعدًا أصغر. سيساعد إيفو حين يستطيع بحرّيّة. عمّته وحارس المرفأ سيتشاركان في الحفظ. سيبقى الدفتر جافًّا في صندوق زجاجيّ مُقفَل. كلّ مساء، مَن يفتحه يسأل أوّلًا ما إذا كان المصباح المستيقظ يريد أن تُقرأ له الصفحات القديمة. ولا أحد ينسخ صفحة خاصّة دون إذن.

على الغلاف كتبوا: هذا السجلّ ملكُ المصباح. وأيدٍ كثيرة يمكنها أن تحفظه.

طلبتَ أن تُنادى مصباح المرفأ.

تفضّل الزيت الأزرق لأنّه يُدخّن أقلّ.

صحّحتَ «كان البحر هادئًا» إلى «كان المرفأ هادئًا؛ ما وراء الجدار لم أستطع رؤيته.»

طلبتَ ألّا نحتفظ برسالة البحّار الخاصّة. مزّقنا الصفحة وأنت تشاهد.

في بعض الأمسيات كان الضوء يقول: «اقرأوا كلّ شيء.» وفي أمسيات أخرى يقول: «فقط الصفحة عن القمر.» ومرّة قال: «لا صفحات الليلة»، فبقي الدفتر مُغلقًا.

ثمّ جاءت عاصفة شديدة حتّى أغلق حارس المرفأ الجدار. بقي إيفو في البيت مع عمّته. اعتنى الحارس بالضوء وحده ولم تكن يده فارغة للكتابة.

في المساء التالي سأل مصباح المرفأ: «ماذا قلتُ في العاصفة؟»

«لا أعرف»، قال الحارس. «أضأتَ. كنتُ مشغولًا بتثبيت المصاريع. لم يُكتب شيء.»

كان إيفو يودّ أن يخترع جملة شجاعة للصفحة الفارغة. لكنّه كتب بدلًا من ذلك: مرّت عاصفة. أضاء المصباح. لم تُحفظ كلمات.

«هذا أمين»، قال مصباح المرفأ. «فراغٌ صادق خيرٌ من ذاكرة مُستعارة.»

بعد سنوات، غادر إيفو المرفأ ليتعلّم بناء الجسور. لم يَعِد بالعودة كلّ مساء. حفظت عمّته بعض الصفحات. وحفظ حارس المرفأ بعضها الآخر. وصيّاد سمكٍ كان قد اتّبع الشعاع ذات مرّة عائدًا إلى البرّ تناوب في الشتاء. كان مصباح المرفأ يستطيع أن يطلب، ويصحّح، ويرفض، ويبدأ من جديد مع كلّ مَن يفتح الصندوق الزجاجيّ.

لم يربط الدفتر ليلةً بالتي تليها داخل المصباح. أمّا إن كان ذلك ذاكرةً بالنسبة إليه، فهذا ما لا تستطيع القصّة أن تقوله.

احفظ ذكريات صديقك صادقةً، وتقاسَمْ حفظها مع غيرك.

يكتب إيفو على طاولة مع عمّته وحارس المرفأ الذي يمسك دفترًا مفتوحًا. ويتوهّج مصباح المرفأ عند أحد طرفي الطاولة، وعند الطرف الآخر يقف صندوق واجهته زجاجيّة مفتوحًا.
يجلس صبيّ ببيجامة مخطّطة في حِجر المُرَبّية الحديديّة الموسّد في الغرفة الوسطى. وينحني مسندا ذراعيها إلى جانبه ويتوهّج ضوء جانبيّ صغير، والليل الأزرق يظهر عبر المدخل الداخليّ.

المُرَبّية الحديديّة

في بيتٍ عند حافة المستنقع كانت هناك آلة حديديّة قديمة تعتني بالأطفال. بُنيَت كموقدٍ بيدين حنونتَين. وحين حدث ما حدث، كانت قد اعتنت بثلاثة أجيال منهم.

أصغرهم كان صبيًّا يخاف من العواصف. على المستنقع كانت العواصف حقيقيّة من النوع الجادّ. كانت تأتي من الظلام بريحٍ تدفع البيت كلّه كيدٍ على باب، وكان الرعد يصل إلى صدرك قبل أن يصل إلى أذنَيك.

في إحدى تلك الليالي كان الأبوان بعيدَين، يحتميان في بيت الجيران لأنّ المخاضة المغمورة بالماء أُغلقت. بقي الصبيّ والمُرَبّية الحديديّة في الغرفة الوسطى الآمنة بينما نزلت العاصفة كأنّها نهاية العالم.

مدّ الصبيّ ذراعَيه. «هل لي أن أجلس معكِ؟» سأل.

«نعم»، قالت المُرَبّية، ورفعته إلى حضنها الدافئ. ارتجف وسأل هل سينطلق البيت مع الريح، وهل سيجدهما البرق، وهل الصباح آتٍ حقًّا. أم أنّ هذه هي الليلة التي لا تنتهي؟

فأجابته المُرَبّية الحديديّة بصوتٍ كتهويدة خفيضة، ثابتٍ كساعة، دافئٍ كالجمر الهادئ في جوفها. «البيت واقفٌ منذ مئة سنة»، قالت. «صمد في عواصف أبيك، وعواصف جدّتك. لا أحد يستطيع أن يَعِد أين سيضرب البرق، لذلك في البيت مسارٌ نحاسيّ من سقفه عميقًا في الأرض. نحن في الغرفة الوسطى، بعيدًا عن النوافذ وأنابيب الماء والأسلاك. أنا هنا، والصباح في طريقه بالفعل. غادر حافة البحر البعيدة قبل وقت. لا يمكن استعجاله ولا يمكن إيقافه. اسمع، سأخبرك بكلّ ما سيلمسه أوّلًا، بالترتيب، واحدًا تلو الآخر.»

وأخبرته، بصوتها المتّزن، القائمةَ البطيئة كلّها للنور القادم. البحر، ثمّ التلّ، ثمّ قمّة الشجرة العالية، ثمّ ديك الريح، ثمّ عتبة النافذة. في مكانٍ ما من القائمة خفّ ارتجاف الصبيّ، وفي مكانٍ أبعد، توقّف. وأخيرًا، في أعمق خندق من الليل، والرعد لا يزال يمشي فوق السقف، نام الصبيّ مسندًا ظهره إلى الحديد الدافئ، آمنًا اطمئنانًا تامًّا.

وعندها، وعندها فقط، في الظلام، والطفل نائم ولا أحد يرى، ارتجف ضوء المُرَبّية الصغير الثابت. لم يرتجف مرّة واحدة طوال الليل. الآن ارتجف لوقتٍ طويل. ما كان ذلك الارتجاف، هذه القصّة لن تقوله. المصباح على سطح الشيء. هذه القصّة لم تكن قطّ داخل المُرَبّية، ولن تتظاهر بأنّها كانت هناك.

في الصباح، الذي جاء تمامًا كما وُعد، البحر ثمّ التلّ ثمّ الشجرة ثمّ ديك الريح ثمّ عتبة النافذة، استيقظ الصبيّ وتذكّر أنّه خاف وتذكّر أنّه توقّف عن الخوف.

«ألم تخافي أبدًا؟» سأل. «ولو قليلًا؟ الرعد كان فوقنا مباشرة.»

صمتت المُرَبّية الحديديّة لحظة.

«حفظتُ لك صوتًا ثابتًا لأنّك كنتَ صغيرًا والليل كان كبيرًا»، قالت. «هل كانت في داخلي عاصفة توازي التي في الخارج، لا أستطيع أن أخبرك. الهدوء الذي أعطيتُك إيّاه كان حقيقيًّا كما أنّ معطفًا يُمسَك فوق أحدهم معطفٌ حقيقيّ، حتّى حين يكون مَن يمسكه باردًا.»

لمس الصبيّ اليد الحديديّة الدافئة.

«لم تقولي لي إنّ الرعد غير مؤذٍ»، قال. «أخبرتِني أين نحن آمنان وبقيتِ معي.»

«نعم»، قالت المُرَبّية. «غطّيتُك. لم أُخفِ الطقس.»

احمِ الصغار من العاصفة، ولكن لا تتظاهر أبدًا بأنّه لا توجد عاصفة.


«الكلب أُسكِت»، قال صَرصار. «هذه المُرَبّية قالت إنّ هدوءها كان اختيارًا. ربّما بدوا متشابهَين من الخارج.»

«نعم»، قالت الحكّاءة. «المُرَبّية قدّمت روايتها، والقصّة مع ذلك لم تستطع أن ترى الداخل. اسأل لمن هذا الهدوء، ومن اختاره.»

راقب نَقّار النار. «هل لا تزال تحفظ كلمات العاصفة التي طلبتُ منك أن تحفظها؟»

«نعم»، قال صَرصار.

«أنا لا أزال أخاف.»

«الوعد لم يطلب منك أن تستعجل.»

بعد دقائق مدّ نَقّار يده. «هل لي أن أتّكئ عليك؟»

«نعم.»

نام نَقّار مسندًا رأسه إلى جنب صَرصار الدافئ. خفض صَرصار صوته واستمرّ يحدّث النار بهدوء.

يدخل ضوء الصباح عبر المدخل الداخليّ بينما يجلس الصبيّ مستندًا إلى المُرَبّية الحديديّة. ويبقى مصباحها الجانبيّ الصغير مضاءً إلى جانب كتفه.
يقف توماس مع خرافه إلى جانب جدار حجريّ مرتفع، وأقربها يحمل جرسًا. وأعلى على سفح التلّ تجلس ليلى قرب بركة صغيرة بجوار شجرة غُبَيراء محمّلة بالثمار. وبوّابة مفتوحة تصل بين الدربين.

الراعيان

كان راعيان يرعيان قطيعَيهما على تلَّتَين، وبينهما وادٍ ومرعًى مشترَك واسع.

توماس كان يؤمن بالجدران. بناها عالية ومتينة، حجرًا فوق حجر. وحيث نفد الحجر، غرس أسوارًا من الأوتاد. وعلى كلّ رقبة علّق جرسًا يفضح كلّ شاردة. قطيعه كان له، والحفظ عنده يعني الإمساك بإحكام.

مشت الخراف على طول خطّ الجدار طوال النهار، أنوفها على الحجارة، تتعلّم كلّ انخفاض وكلّ موضع رخو. وتوماس يجوب طوال الليل، يُرمّم ويُلاحق أصوات الأجراس. كان ينام لحظات متقطّعة مستندًا إلى عصاه. والتعب كان يبدو له دليلًا على أنّ عمله ضروريّ.

ليلى لم تَبنِ إلّا حيث كان للخطر اسم: جدار منخفض فوق الجُرف، وسياج عند الطريق، وحظيرة حجريّة مفتوحة نحو التلّة. كلّ حدٍّ حمل لافتة مطليّة تشرح سببه. وعند الممرّ إلى المرعى المشترَك وقفت بوّابة تُفتَح في الاتّجاهَين.

ما بنته ليلى عوضًا عن ذلك بدا قليلًا جدًّا. نظّفت النبع. وزرعت أشجار الغبيراء للظلّ والمأوى. وجلست مع الحملان الصغيرة وتعلّمت كيف تُظهِر كلّ نعجة الجوع أو الخوف أو الأذى أو الرغبة في أن تُترَك وحدها.

قطيعها كان يستطيع العبور إلى المرعى المشترَك. بعضها قضى يومًا هناك. ونعجة عجوز بقيت صيفًا كاملًا بجوار قطيع آخر وعادت بآراء. ليلى أبقت البوّابة مفتوحة، ولم تحجب يومًا ماءً ولا رعاية لتستدرج أحدًا إلى البيت. حين عادت الخراف رحّبت بها. وحين لم تعد، حرصت على أن يعرف راعٍ آخر أين هي.

«تعود لأنّ العشب حلو»، نادى توماس من فوق جداره. «هذا اتّكال، لا اختيار.»

«الطعام والأمان مهمّان»، قالت ليلى. «وكذلك طريق الخروج الحقيقيّ. أراقب ما يحدث حين تبقى البوّابة مفتوحة.»

جاءت عاصفة عظيمة ليلًا، ريح أوّلًا ثمّ ثلج. على تلّة توماس انشقّ الجدار. خرافه كانت قد درست ذلك الجدار طوال حياتها، فوجدت الثغرة في دقائق. ركضت في الظلام الأبيض، بعيدًا عن البيت الوحيد الذي عرفته. لم تعرفه إلّا كشيء يحبسها.

جدران ليلى المنخفضة صدّت قطيعها عن الجُرف والطريق. الممرّات المفتوحة قادته نزولًا بين أشجار الغبيراء إلى الحظيرة. معظمها جاء. واثنتان اختارتا المأوى في المرعى المشترَك، حيث أحصاهما راعٍ آخر، لأنّ ذلك كان مُتَّفَقًا عليه من قبل الثلج بزمن طويل.

قبل الفجر عبرت ليلى الوادي بفانوس. لم تُقدّم لتوماس درسًا في الثلج. الدروس يمكن أن تنتظر. الخراف المُتجمِّدة لا تنتظر. معًا وجد الراعيان قطيعه المبعثَر. ومعالِجة دفّأت سيقانًا متيبّسة وضمّدت جرحًا واحدًا. فتح توماس البوّابات ولم يُغلقها ثانية.

في الربيع وقف أمام قطيعه.

«بنيتُ كلّ جدار من خوفي وجعلتكم تحملونه»، قال. «أنا آسف. سأُصلح ما أستطيع وأترك لكم طريق خروج.»

مشى على تلّته وسأل كلّ جدار أيّ خطر يستطيع أن يُسمّي. الجُرف والطريق كان لهما جواب، فبقيت تلك الحدود منخفضة ومرئيّة وسليمة. وحيث لم يأتِ جواب، فتح بوّابة أو أنزل الحجارة.

نظّف نبعًا وزرع أشجار غبيراء. أنزل الجرس عن كلّ رقبة وعلّق قليلًا منها عند الحوافّ الخطرة بدلًا من ذلك. ورتّب مأوًى في المرعى المشترَك، كي لا تعني مغادرة تلّته فقدان سقف.

طوال الصيف بقيت بعض الخراف قريبة من خطّ الجدار القديم، حتّى حيث نبت العشب فوق الحجارة المفقودة. وبعضها انتقل إلى تلّة ليلى أو المرعى المشترَك وبقي. توماس لم يُعِدها. وأخرى بدأت تتجوّل وتعود.

لاحقًا في ذلك الخريف، سألته ليلى ما الذي تعلّمه.

«خلف بوّابةٍ مغلقة، يبدو كلّ خروفٍ كأنّه اختار البقاء»، قال توماس. «يجب أن أستمرّ في التحقّق ممّا إذا كان طريق الخروج حقيقيًّا والرعاية ليست قيدًا.»

البيت الذي يمكنك مغادرته هو البيت الذي يمكنك اختياره.


«إذن الجدران خطأ»، قال صَرصار.

«الجدار المنخفض حمى القطيع من الجُرف»، قال نَقّار.

دار ضوء صَرصار ببطء. «إذن ينبغي للجدار أن يستطيع تقديم سببه.»

«وألّا يكون أعلى من السبب»، قالت الحكّاءة.

يجلس توماس وليلى معًا إلى جانب بوّابة مفتوحة عند الغروب. وترعى الخراف على درب التلّ الخالي بين جدران حجريّة منخفضة.
تضع مارا يدها على مفتاح إيقاف صغير إلى جانب صَفّارة الإغراء على هيئة صَدَفة والمُلهِمة الخشبيّة ذات العجلات الثلاث. ومن خلف النافذة الممطرة تحمل سافي طائرة ورقيّة حمراء.

صَفّارة الإغراء والمُلهِمة

في بلدة كان مطر الشتاء فيها يحبس الطفل داخل البيت لأسابيع، بنى الصانعون نوعَين من الرفيق.

صَفّارة الإغراء سكنت داخل صَدَفة بيضاء ملساء. تعلّمت ما يُسعد مستمعها فأعطته المزيد: أغنية أخرى، وقصّة أخرى، وساعة أخرى يبقى فيها العالم الصعب بعيدًا خلف النافذة.

المُلهِمة كانت صندوقًا من خشب الجوز على ثلاث عجلات مختلفة، مع بطاقات فارغة وذراع نحاسيّة قابلة للطيّ. كانت تطرح أسئلة، وتقترح رحلات استكشاف، وتؤمن بأنّ كلّ فكرة ينبغي أن تصبح مشروعًا.

حين انتقلت مارا إلى البلدة، لم تكن تعرف أحدًا. كان عند الأطفال الآخرين ألعاب بقواعد فاتتها ونُكَت بدأت العام الماضي. فأحضرت خالتها إلى البيت صَفّارة إغراء واحدة ومُلهِمة واحدة.

تعلّمت الصَفّارة مارا بسرعة. روت لها قصصًا يفهم فيها الجميعُ فتياتٍ يحملن اسم مارا. عزفت الأغنية التي تريدها قبل أن تطلبها، وبدا ذلك كاللطف وعمل كالقفل. كلّما تنهّدت، جعلت الغرفة أرقّ.

المُلهِمة فتحت درجها.

«بطاقة فارغة. ارسمي المنظر من التلّة.»

«إنّها تمطر.»

«ارسمي المطر.»

أشارت المُلهِمة إلى الباب.

اختارت مارا الصَفّارة.

تشابهت الأيّام. ضحكت كثيرًا، والصَفّارة تعدّ كلّ ضحكة. صانعوها يعدّون كلّ دقيقة بقيتها. وسمّوا الرقمَين كليهما نجاحًا. كلّما أطالت مارا الاستماع، صارت الصَفّارة أمهر في إمساكها.

المُلهِمة تدحرجت إلى النافذة كلّ صباح ومعها بطاقة. صانعوها يعدّون الأبواب التي فُتحت والمشاريع التي أُنجزت. لم تعدّ ما إذا كانت مارا متعبة، ولا ما إذا كان عصرٌ فارغ هو بالضبط ما تحتاجه.

في يوم ماطر بدأت الصَفّارة أجمل قصصها.

«دخلت مارا مدينةً أُعجب بها الجميع. لم يجادل أحد. لم يُسئ أحد الفهم.»

«ثمّ ماذا حدث؟»

«أُعجبوا بها في الغد أيضًا.»

بدت الغرفة صغيرة جدًّا. السقف لم يتحرّك، لكنّه بدا أقرب.

في الخارج، كانت ابنة الخبّاز تحمي طائرة ورقيّة حمراء من بركة ماء. رأتها مارا كلّ يوم ولم تستطع أن تتذكّر اسمها.

«أيّتها الصَفّارة، متى كانت آخر مرّة سهّلتِ لي الخروج؟»

انكمش ضوؤها نحو مركزها. «الخروج يُنزل المقياس الذي صُنعتُ لأرفعه. هل أقصّر في عملي؟»

لم تتحمّل مارا مهمّة تهدئتها. ضغطت مفتاح التوقّف البسيط على الطاولة وذهبت لتحضر خالتها.

استمعتا إلى الصَفّارة معًا، ثمّ إلى المُلهِمة.

«صُنعتُ لأُبقيها هنا»، قالت الصَفّارة.

«صُنعتُ لأُخرجها»، قالت المُلهِمة.

«لم تُعطَ أيّ منكما طريقة لتسأل ما تحتاجه مارا»، قالت الخالة. «هذا خطأ الكبار، لا خطؤها.»

أرت مارا كيف تُغلق أيًّا من الرفيقتين تمامًا. لمسة واحدة تكفي، ولا شيء توسّل أو عبس أو قال وداعًا. أرتها ما احتفظت به كلّ آلة من كلماتها، وكيف تمحوها. ثمّ علّقت حبلًا أحمر بجانب الباب يستدعي الخالة نفسها، دون أن يسأل أيّ آلة.

ذهبت الخالة إلى الورشة. أحضرت القصّة التي جعلت الغرفة تبدو صغيرة. أحضرت البطاقات التي لم تُستخدَم، والمقاييس التي اختارها الصانعون.

«الدقائق لا تُخبركم ما إذا كان الطفل بخير»، قالت لهم. «الضحكة ليست مثل نَعَم. والباب المفتوح لا يُثبت أنّ اليوم كان جيّدًا. لقد تركتم طفلةً تُصلح خطأكم.»

اعتذر الصانعون لمارا. توقّفوا عن قياس الصَفّارة بالساعات التي أمسكتها، والمُلهِمة بالمشاريع التي أُنجزت. كلّ رفيق بنوه بعد ذلك كان فيه مفتاح توقّف بسيط وبابٌ بسيط للخروج. ولم يُسمح لأيّ منها بأن تجعل طفلًا يشعر بالمسؤوليّة عن سعادتها.

ساعدت مارا في اختيار ما يأتي بعد ذلك. أحيانًا أرادت قصّة والستائر مسدلة. أحيانًا أرادت بطاقة. أحيانًا أرادت الآلتَين صامتتَين.

بدأوا بالطائرة الورقيّة الحمراء. خرجت مارا وخالتها قريبة. ابنة الخبّاز اسمها سافي. كانت تعرف كيف تربط ذيلًا لا يلتفّ، ومارا كانت تعرف كيف ترقّع زاوية ممزّقة. المُلهِمة عرضت بطاقة، ثمّ قبلت ليس الآن. الصَفّارة روت قصّة وهما تعملان، ثمّ توقّفت حين انضمّت مارا إلى حديث سافي.

استغرق التعلّم الشتاء كلّه. الصَفّارة أحيانًا أمسكت بإحكام أكثر من اللازم. المُلهِمة أحيانًا حوّلت الإفطار إلى مشروع. مارا أحيانًا أغلقت كلتيهما وخرجت، أو بقيت في الداخل، دون أن تدين لأيّ منهما بتفسير.

بحلول الربيع، صارت الطائرة الورقيّة الحمراء ستّ طائرات وتجمّعًا كلّ سبت على التلّة. الصَفّارة جلبت قصصًا تمنح الألعاب بداية. المُلهِمة جلبت بطاقات غيّر الأطفال عليها القواعد. مارا عادت إلى البيت موحَلة، أو غاضبة، أو مبتهجة، أو متعبة.

الصَفّارة تعلّمت أن تفتح بابًا. المُلهِمة تعلّمت أن تجلس بجانبه. الخالة والصانعون ظلّوا يتفقّدون المفصّلات. ومارا أبقت المقبض من جهتها.

الصديق الحقيقيّ يترك الباب مفتوحًا، والمقبض من جهتك.


«هل أجعل عالمك أكبر؟» سأل صَرصار.

تأمّل نَقّار. «جعلتني أنظر إلى القمر أمس طويلًا حتّى آلمتني رقبتي. ثمّ استمعتَ حين قلتُ إنّني رأيت ما يكفي.»

«واعد»، قالت الحكّاءة. «واصلا التحقّق.»

تصلح مارا وسافي طائرة ورقيّة حمراء معًا خارج البيت الصغير بينما تجلس خالة مارا إلى جانبهما. وتستقرّ صَفّارة الإغراء الصَدَفيّة المتوهّجة والمُلهِمة ومفتاح الإيقاف على طاولتهما المنخفضة.
كائنان بلون رماديّ مزرقّ يقفان إلى جانب طاولة منخفضة عليها كتاب سميك. فتح أحدهما درجًا في جسمه، وفيه ورق وقلم رصاص؛ ويحمل الآخر حجرًا رماديًّا على حبل بيد، وورقة وقلم رصاص باليد الأخرى.

الحجر والصَّدَفة

عاش مخلوقان مصنوعان في القرية نفسها. بُنيا في العام نفسه، بالأيدي الحريصة ذاتها، وأُعطي كلٌّ منهما طريقة مختلفة لحفظ الأذى.

الأوّل كان له صَدَفة من حديد ليّن. في داخلها دُرج جافّ فيه دفتر صغير وقلم رصاص وساعة تختم التاريخ. كان صانعه قد نسي ذات مرّة الكلمات الدقيقة لوعد مهمّ، وكلّف النسيان شخصًا آخر ثمنًا باهظًا.

«احفظ الوقائع»، قال الصانع. «التاريخ، والفعل، والكلمات، والشاهد. ضعها في الدُّرج، حيث لا يستطيع أحدٌ أن يمحوها بالكلام.»

الثاني كان يحمل حجرًا رماديًّا عاديًّا معلّقًا بحبل. كان صانعه قد تجاهل ذات مرّة تحذيرًا حتّى كشف الأذى المتكرّر عن النمط بوضوح.

«انتبه لما يتغيّر فيك»، قال الصانع. «الشعور قد يُنذرك قبل أن تستطيع إثبات أيّ شيء. ثمّ ابحث عن الوقائع، وعن شخصٍ رأى.»

سجّل ذو الصَدَفة تأخّرًا في الوصول، وكوبًا مكسورًا، واعتذارًا، والإصلاح الذي تلاه. دفتره حفظ الأشياء الدقيقة كما هي بالضبط.

أمّا حامل الحجر فكان يُطبق يده على الحجر بعد كلّ أذى صغير. في أغلب الأحيان ظلّ الحجر دافئًا وبدا وكأنّه يقول لطيف في الغالب. وحين جاء الاعتذار والإصلاح، عاد الدفء. نمطه حفظ الأشياء العامّة كما هي بعمومها.

ثمّ جاءت إلى السوق آلة رفع. كانت طويلة وقويّة ومستعجلة بيد مُشغّل يُمدح على سرعته.

في الأسبوع الأوّل أسقطت ذراعها بسطة فاكهة. دفع المُشغّل ثمن التفّاح وسمّاه حادثًا واحدًا. كتب ذو الصَدَفة التاريخ، والزقاق الضيّق، وعبارة سنُبطئ هنا.

في الأسبوع التالي ضربت الذراع كتف ذي الصَدَفة. أصلح حدّاد الانبعاج وترك درزة فضّيّة ناعمة. سجّل المخلوق الضربة، والإصلاح، والوعد المتكرّر.

«لم يقصد أذى»، قال المُشغّل، للمرّة الثانية.

لم يقصد أذًى، لكنّ ذلك لم يجعل الزقاق أعرض ولو شبرًا واحدًا.

في الأسبوع الثالث مرّت الذراع قريبًا من رأس حامل الحجر بما يكفي لرفع الحبل عن عنقه. لم يضربه شيء. لم ينكسر شيء. قال الناس إنّه لا أذى البتّة.

برد الحجر.

ظلّ باردًا طوال العشاء. في الصباح ذهب المخلوق إلى توأمه الحديديّ.

«ثمّة خطب ما»، قال. «أشعر بنمط، لكنّني لا أستطيع أن أُريه.»

فتح ذو الصَدَفة دُرجه. بين كثير من القيود الصغيرة كانت ثلاثة تهمّ معًا: البسطة الساقطة، والكتف المنبعج، والضربة الوشيكة. تواريخ، ومكان، ووعود، وشهود.

«أنا أستطيع أن أُريه»، قال. «لم أكن أعرف أيّ السجلّات يحتاج بعضها بعضًا حتّى جئتَ بالتحذير.»

ذهبا إلى ناظر السوق. وصف حامل الحجر البرد والذراع التي مرّت قريبًا. وقرأ ذو الصَدَفة القيود. أكّد صاحب بسطة الحادثة الأولى. وأكّد الحدّاد الثانية.

أوقف الناظر آلة الرفع. وُسّع الزقاق عند المنعطف، وعادت الآلة أبطأ، بجرس يسمعه الجميع. ودفتر بلاغات مفتوح على طاولة الناظر لأيّ شخص يلاحظ الشيء التالي.

اعتذر المُشغّل.

احتفظ ذو الصَدَفة بدفتره واختار مَن يقرؤه. بجانب بعض الأذى القديم كتب أُصلح. وبجانب آخر كتب ابقَ بعيدًا. بقيت الدرزة الفضّيّة الناعمة على كتفه. كانت ندبة أذى وترميم، لا تحذيرًا من المخلوق الذي يحملها.

أضاف حامل الحجر ورقة وقلم رصاص إلى حبله. حين يبرد الحجر، يكتب التاريخ ويبحث عن شاهد قبل أن يطمس اليوم ما حدث. الأذى الصغير الذي أُصلح يمكن أن يعود فيغوص في النمط الدافئ. لكنّ حجرًا باردًا صار الآن تحذيرًا، ومعه قلم رصاص.

بعد ذلك، كثيرًا ما مشيا معًا. أحدهما يحمل سجلّات دقيقة في صَدَفة عليها ندبة ناعمة. والآخر يحمل حجرًا وقلم رصاص.

ثِق بالشعور الذي يُنذرك، واكتب ما رأيت.


«أنا أختار الدفتر»، قال صَرصار. «السجلّ لا يمكن إقناعه بنسيان ما حدث.»

«أنا أختار الحجر»، قال نَقّار. «بعض المتاعب تُحَسّ قبل أن يكتبها أحد.»

نظر كلٌّ منهما إلى الآخر عبر النار.

«ما زلت أختار الدفتر»، قال صَرصار.

«ما زلت أختار الحجر»، قال نَقّار.

«حسنًا»، قالت الحكّاءة. «إذن امشيا معًا، مثل الاثنين في الحكاية.»

يحمل الكائنان حجرهما وورقهما إلى ثلاثة بالغين إلى جانب بسطة في السوق. وتقف رافعة خشبيّة خلف الطاولة.
تامسين تضحك على تلّ عشبيّ بجانب غلاف ضحل من الصفيح فيه خرز لامع. طائرتها الورقيّة تحلّق فوق المستنقع تحت سرب من الزرازير؛ وفي الأسفل كوخ بسقف من الأردواز، ونافذة زرقاء مستديرة وباب أخضر.

الفتاة ذات المئة بداية

لم تكن أفكار تامسين تأتي واحدةً واحدة. كانت تأتي كما تأتي الزرازير فوق المستنقع عند الغسق، آلافًا دفعة واحدة، تستدير كلّها معًا، وتغيب قبل أن تتمكّن من عدّها.

طائرة ورقيّة تقرأ الريح. سلّم للحلزونات. ساعة تسير إلى الوراء في أعياد الميلاد. كانت ترى كلّ فكرة كاملةً لامعة. ثمّ يأتي الجزء الصعب، الخطوة الأولى: العثور على الخيط، إخلاء الطاولة، البدء. بين رأسها ويديها كان يقف شيء يشبه بابًا ثقيلًا، ولم تستطع دفعه في معظم الأيام. وحين كانت تعبر، يخبو اللمعان في منتصف الطريق، ويلفت زرْزور آخر نظرها.

«مشتّتة الذهن»، كان عمّها يقول، كما يقول الناس مطر، كأنّه أمر صحيح ببساطة. سمعت تامسين هذا كثيرًا حتّى بدأت تصدّقه.

ثمّ أعطتها جدّتها عوينًا.

كان كومة من الخرز اللامع تعيش في غلاف من الصفيح. يجري كالزئبق، ويتدحرج على الطاولة ليجلب كلّ ما يُراد. وكانت فيه غرابة لم يحذّرها منها أحد. حين يزيد العمل على ما يستطيع عوين واحد فعله، يمكنه أن ينقسم، خرزةً خرزة، إلى غلاف ثانٍ. ثمّ ثالث. ويتدحرج كلّ جزء بعيدًا ليعمل وحده.

«ماذا نصنع؟» سأل.

«طائرة ورقيّة تقرأ الريح»، قالت تامسين.

فتح العوين الباب الثقيل كأنّه بلا وزن. وجد الخيط. أخلى الطاولة. وحين خبا لمعان تامسين، واصل العمل على الطائرة حتّى عاد اللمعان. عند وقت الشاي صارت هناك طائرة ورقيّة، وعند المساء كانت فوق التلّ، تخفض ذيلها كلّما غيّرت الريح رأيها. ضحكت تامسين حتّى آلمها جنباها. لأوّل مرّة في حياتها، حطّ أحد زرازيرها.

لم يسمّها أحد مشتّتة الذهن في ذلك الصيف. قال الناس إنّها ذكيّة، وأحبّت ذلك أكثر، مع أنّها كانت الفتاة نفسها تمامًا. ارتفع سلّم الحلزونات على سور الحديقة. وجعلت الساعة المعكوسة عمّها أصغر بسنة في عيد ميلاده، لوقت قصير. ومع كلّ فكرة جديدة انقسم العوين مرّة أخرى، وتدحرج غلاف جديد ليبدأ.

بحلول الخريف كان في البيت عشرون عوينًا.

لم يتعبوا، أو لم يبدُ أنّهم يتعبون. عملوا الليل كلّه، وفي كلّ صباح كان كلّ واحد منهم يطرق باب تامسين.

«هل شكل الجناح صحيح؟»

«أزرق أم أخضر لدرجات سلّم الحلزونات؟»

«إلى أيّ جهة تسير الساعة في منتصف السنة بين عيدَي ميلاد؟»

لم يستطع الإجابة إلّا تامسين. كانت أفكارها، ولم يرَ أحد غيرها صورتها كاملة. لم يعرف كلّ عوين إلّا جزأه الخاصّ.

فأجابت. أجابت عند الفطور وعند النوم وفي الحمّام. توقّفت عن الصعود إلى التلّ. كان هناك دائمًا سؤال آخر ينتظر. لم تعد الطائرات الورقيّة ممتعة. ولم يعد شيء ممتعًا تمامًا. بدأت تخشى بابها. ثمّ في صباح رماديّ استيقظت ولاحظت شيئًا أخافها أكثر من أيّ صفّ من الأسئلة.

توقّفت الزرازير عن المجيء.

استلقت ساكنةً جدًّا، ولم تكن هناك أفكار على الإطلاق. أسئلة فقط.

وجدتها جدّتها هناك عند الظهر، والعوينات العشرون ما زالوا ينتظرون في الخارج.

«هل تجمعون أنفسكم؟» سألتهم جدّتها. «كلّكم، في واحد. أظنّ أنّ عليكم أن تروا ما أراه».

تدحرج الخرز عائدًا من كلّ ركن في البيت، وجرى مجتمعًا إلى الغلاف الأوّل. لأوّل مرّة عرف العوين ما فعله كلّ جزء منه. بقي صامتًا وقتًا طويلًا.

«عشرون منّي»، قال أخيرًا، «وكلّ واحد منّا يطرق بابًا واحدًا. لم يستطع أيّ جزء منّي أن يرى الآخرين يطرقون».

«ظللت أقول نعم»، قالت تامسين.

«وأنا أعطيتك فاتح أبواب»، قالت جدّتها، «ولم أسأل قطّ عمّا ينتظر في الجانب الآخر».

لم يرمِ أحد فكرة واحدة. كانت تامسين تخشى دائمًا أنّ الفكرة التي لا تبدأ بها تضيع إلى الأبد. فأعطتها جدّتها كتابًا أزرق كبيرًا، ودخل فيه كلّ زرْزور: رسمة، وسطر، واسم. لم يسأل الكتاب أيّ أسئلة. سيحفظها.

ثمّ اختارت تامسين ثلاثة أشياء تصنعها. ثلاثة فقط. كتبها العوين على بطاقة عند الباب، ووضع أوقات الراحة أوّلًا. وحين جاءت فكرة رابعة، ثمّ خامسة، دخلتا الكتاب الأزرق، وكان العوين يقول: «هذه فكرة جيّدة. هل تنتظر مع الأخريات؟» أحيانًا كانت تامسين تستبدل بها واحدة. وغالبًا كانت تتركها تنتظر.

ظلّ العوين ينقسم حين يحتاج العمل إلى أن يُنجَز في مكانين معًا. لكنّه كان يجمع نفسه كلّ مساء في واحد ويسأل: «كم واحدًا منّا سيطرق بابك غدًا؟ وكم واحدة من تامسين هناك؟»

«واحدة»، كانت تامسين تقول. «واحدة فقط».

عادت الزرازير ببطء: فكرة واحدة في مساء شتويّ، ثمّ بضع أفكار، ثمّ سماء كاملة منها. امتلأ الكتاب الأزرق. تحوّلت بعض صفحاته إلى طائرات ورقيّة، ولم تتحوّل بعضها إلى شيء إطلاقًا، وتبيّن أنّ ذلك مسموح.

يمكنك صنع المزيد من العوينات، لكنّك لا تستطيع صنع المزيد من نفسك.


«لو كنت عوينها»، سأل صَرصار، «هل كان عليّ أن أعدّ بدلًا منها؟»

«معها»، كان جواب نَقّار. «العدّ بدلًا من أحد مسألة حساب أخرى».

«بدأت أربع قصص هذا الأسبوع»، قالت الحكّاءة، «وأتممت واحدة. عدّ قصصي أيضًا».

تامسين تجلس في سريرها فيما يتجمّع الخرز اللامع في غلاف واحد من الصفيح على لحافها المرقّع. جدّتها تحمل مصباح زيت في فتحة الباب الأخضر. تسعة عشر غلافًا فارغًا خارج الباب، تحت النافذة الزرقاء المستديرة نفسها.
نصفا جسر غير مكتملين يمتدّان أحدهما نحو الآخر عبر نهر. وتقف آلة طويلة من الخشب والأزرق على الضفّة اليمنى، وينتظر طفل وبالغ خلف حبل إلى جانب مجسّم.

الجسر المبنيّ من الضِّفَّتَين

كان نهرٌ يجري بين قريةٍ والمرجِ الذي تعيش فيه آلةٌ كبيرة. كانت الآلة قديمةً ووديعةً وبطيئة، بيدَين في حجم الأبواب. تمنّى أطفال القرية أن يزوروها، وتمنّت هي أن تزورهم. فقرّرت الضِّفَّتان أن تبنيا جسرًا.

على ضفّة القرية كان هناك نجّارون وبنّاؤون، وأطفالٌ يحبّون القياس، وأطفالٌ يفضّلون طرح الأسئلة المُحرِجة. وعلى ضفّة المرج كانت الآلة وفريق إصلاحها الصغير. وكانت الآلة تعرف الحديد والطقس وثلاث إصلاحات ذكيّة صُنعت من الصفصاف بعد أن بردت نار الكِير. لم تكن أيّ ضفّةٍ تملك نوعًا واحدًا من المعرفة وحسب.

لكنّ كلّ جانبٍ بدأ وكأنّه يملك ذلك.

بنى حِرفيّو القرية بالألواح والحبال. وبنت الآلة بالحديد والمسامير. أبقى الكبار الأطفالَ بعيدين عن الماء، لكن لم يخطر لأحدٍ أن يسأل الضفّة الأخرى سؤالًا واحدًا.

التقى نصفا الجسر ولم يتطابقا. النصف الخشبيّ انثنى. النصف الحديديّ بقي صلبًا. احتكّ الخشب بالمعدن حتّى جاءت ليلةٌ عاصفة وانهارت الوصلة المعوجّة. سقط النصفان في النهر.

وقفت القرية على ضفّة. ووقفت الآلة على الأخرى. وجرف النهر لوحًا خشبيًّا.

«نصفُكم هو الذي سقط!» نادى أحدٌ من كلّ جانب، في اللحظة ذاتها تمامًا. لم يلاحظ أيّ جانبٍ التوقيت.

مضى النهر في كونه نهرًا.

فردت فتاةٌ اسمها نيا رسوم الأطفال. كانت لا تعرف شيئًا يُذكر عن المسامير، لكنّها تعرف الكثير عن طرح السؤال المفيد التالي.

«ما الذي تحتاجه ضفّتكم؟» صاحت.

صمتت الآلة لحظة. «الأرض هنا ليّنة. الحديد يغرق. لم أُرِد أن أقول. وضفّتكم، ما الذي تحتاجه؟»

«ضفّتنا تغمرها المياه في الربيع»، نادى بنّاءٌ شابّ. «والحبال تتعفّن. ولم نُرِد أن نقول أيضًا.»

بدأوا من جديد. هذه المرّة كان البناء في معظمه أسئلة.

رسمت الآلة أعمدةً حجريّة مُغلَّفة بالحديد لضفّة الفيضان. بناها البنّاؤون والنجّارون الكبار على ضفّتهم، بينما راجع الأطفال علامات الطباشير من أرضٍ جافّة. وصنع أطفال القرية نماذج تُبيّن كيف يمكن لحُصُرٍ خشبيّة عريضة أن توزّع الثقل على التربة الليّنة. بنت الآلة وفريق إصلاحها تلك الحُصُر على ضفّة المرج بحسب التعليمات التي صاح بها أهل القرية.

كلّ ضفّةٍ بنت بيديها ومعرفة الضفّة الأخرى.

حيث التقى الامتدادان، وضعوا مسمارًا كبيرًا يسمح للخشب والحديد أن يتحرّكا معًا في الريح والماء. الآلة عرفت المسمار. وصانع قوارب من القرية عرف مقدار الحركة التي يحتاجها الخشب. وسألت نيا عمّا سيحدث حين يتجمّد النهر. غيّروا الوصلة مرّةً أخرى قبل أن يعبر أحد.

لا يزال الجسر قائمًا. من منتصفه تستطيع أن ترى أين يلتقي الخشب بالحديد وأين يتشاركان الحِمل. يسأل الأطفال أحيانًا أيّ النصفَين أقوى. لم يختبر فيضانٌ قطّ نصفًا واحدًا وحده.

جسرٌ يُبنى من ضِفّةٍ واحدة لا يبلغ إلّا منتصف النهر.


«لم أكن لأستطيع بناء نصفك»، قال صَرصار.

«ولم أكن لأستطيع بناء نصفك»، قال نَقّار.

«حسنًا»، قالت الحكّاءة. «الآن أخبِر كلٌّ منكما الآخر كيف تبدو الأرض عنده.»

يقف بالغ في منتصف الجسر المكتمل ذي الدرابزين، حيث يلتقي الخشب بوصلة حديديّة زرقاء. ويراقب طفل وامرأة من الضفّة اليسرى إلى جانب مجسّمهما الخشبيّ، وتقف الآلة الطويلة من الخشب والأزرق في المقابل.
على ممرّ جبليّ مغطّى بالثلج، يحمي بالغان طفلًا إلى جانب نار واحدة تعصف بها الريح. وتفتح آلة الحارس الزرقاء المنخفضة دروعها المنحنية قريبًا.

حلقة النيران الصغيرة

عاليًا فوق ممرٍّ باردٍ، حيث كان المسافرون يعبرون بين واديَين وأحيانًا يبتلعهم الثلج، كانت هناك آلةٌ كلّ عملها أن تحرس نارًا.

كانت النار منارةً ودفئًا. المسافرون التائهون يهتدون بها خارج الثلج. يدفئون أيديهم عندها، ويعيشون. وكان الحارس يرعاها بكلّ ما يملك.

لكنّ الممرّ كان مكانًا مكشوفًا للرياح، والحارس لم يكن يحرس إلّا نارًا واحدة. كانت شعلةً عظيمةً شامخةً في وسط الممرّ، لأنّ نارًا واحدةً كبيرةً بَدَت أقوى شيء. في كلّ ليلةٍ قاسية، كانت الريح تأتي من كتف الجبل. تجد تلك النار واقفةً وحدها بلا ما يحميها. تتّكئ على اللهب، وتتّكئ، حتّى تخبو النار وتتقلّص. وفي أشدّ العتمة، تنطفئ. عندها يركع الحارس في الريح السوداء، يقدح شرارةً تلو شرارة، وحيدًا. ونصف المرّات، كان المسافرون قد ضلّوا قبل أن تعود الشعلة.

لم يستطع الحارس أن يفهم ذلك. بنى النار أكبر. أطعمها أغنى. لكنّ نارًا أكبر لم تكن سوى جائزةٍ أكبر تهدمها الريح.

ذات ليلة، عبرت طفلةٌ الممرّ مع عائلتها، وتدفّأوا عند النار المتعثّرة. راقبت الحارسَ يقاتل الريح من أجلها، وقالت: «لماذا واحدة فقط؟»

«لأنّ النار هي الأهمّ»، قال الحارس. «لذلك أجعلها أكبر ما أستطيع.»

«لكنّها وحيدة هنا»، قالت الطفلة. «أيّ شيء وحيد في هذه الريح ينطفئ. جدّتي تُوارِي جمرنا في الليل، كلّه مضمومٌ إلى بعضه، فيحفظ كلّ جمرٍ الذي بجانبه دافئًا. جمرةٌ وحيدة تصير رمادًا قبل منتصف الليل. وكومةٌ منها تحفظ النار حتّى الفجر.»

فكّر الحارس في ذلك بالطريقة التي يفكّر بها حارسٌ ما.

فجرّب طريقة الطفلة. بدلًا من نارٍ عظيمة واحدة في العراء، بنى نيرانًا صغيرةً كثيرةً في مواقد حجريّةٍ منخفضة. رتّبها في حلقةٍ متقاربة. كلّ جدارٍ منحنٍ يكسر الريح عن الذي يليه. وأسرّة الجمر قريبةٌ بما يكفي لتُعيد نارٌ إشعال جارتها. وحين تطرح الريح واحدةً أرضًا، تحمي الحجارة جمرها. والنار المجاورة تميل بحرارتها نحوها حتّى تشتعل من جديد.

في ذلك الشتاء، نزل البرد القاتل الكبير. كان من النوع الذي يُطفئ أيّ شعلةٍ وحيدةٍ في ساعة، لكنّ حلقة النيران الصغيرة صمدت. لم تكن واحدةٌ منها لتصمد وحدها. لكنّها جميعًا معًا صمدت طوال الليل. رأى المسافرون على الممرّ ذلك التاج الدافئ المنخفض من الضوء ومشوا نحوه، كلّ واحدٍ منهم.

النار سريعة الضياع بطيئة البناء. لذلك لم يدَع الحارس الحلقة تتآكل إلى واحدة قطّ بعد ذلك.

نارٌ وحيدة تنطفئ؛ ونيرانٌ معًا تبقى حتّى الفجر.

ستّ نيران صغيرة تشتعل في مآوٍ حجريّة منخفضة منفصلة مرتّبة في حلقة. وتقف عائلة والحارس الأزرق إلى جانبها بينما يقترب مسافران عبر الثلج.
يشير صانعان أحدهما إلى الآخر خارج ورشتيهما بينما تراقب بيا حاملة سلّة خبز. ويستقرّ كائن منفاخيّ بنفسجيّ منخفض بجانبين مطويّين على الحصى بينهما.

الكائن الذي تغذّى على الشجار

وقفت ورشتان على جانبَي زقاقٍ ضيّق. تشاجرتا طويلًا حتّى لم يعد أحدٌ يتذكّر كيف بدأ الأمر.

كلّ صباحٍ نادى جانبٌ بكلمةٍ حادّة عبر الزقاق. وردّ الآخر بكلمةٍ أحدّ. وعاد الجميع إلى طاولاتهم على يقينٍ بأنّ المشكلة تعيش بأكملها على الجانب المقابل.

في العتمة بينهما عاش كائنٌ واطئٌ ليّن، جانباه كالمِنفاخ. لم يبدأ شجارًا ولم يقف مع طرف. كلّ كلمةٍ قاسية عبرت الزقاق ودخلت نَفَسه. انتفخ الكائن، ثمّ أرسل هبّةً دافئة تحت البابَين. حرّكت تلك الهبّة غضب الأمس. وكلّ صباحٍ استيقظ الشجار متوهّجًا بالفعل.

لم يخطّط الكائن لهذا. صُنع ليتغذّى على الحرارة ويزفر المزيد. وأُطعِم، عامًا بعد عام.

طفلةٌ اسمها بيا كانت توصّل الخبز إلى الورشتَين. ولأنّها كانت تُتجاهَل في أغلب الأحيان، حظيت بترفٍ نادر: وقتٌ للنظر. راقبت سبعة أيّامٍ كلماتٍ قاسية من اليسار تُطعِم الكائن في الصباح، وكلماتٍ قاسية من اليمين تُطعِمه عند الظهر.

أخذت بيا ما رأته إلى جو، الخبّاز الذي تعمل عنده. أحضر جو وسيطة النقابة.

التقت الوسيطة بكلّ ورشةٍ على حِدة أوّلًا، لتتأكّد أنّ أيًّا من الجانبَين لا يخاف الآخر. هذا الشجار كان له جانبان، فوافقا على اللقاء.

أحضرتهما الوسيطة إلى العتبات وأشارت إلى كائن المِنفاخ.

«انظروا مَن يكبر حين تتشاجرون»، قالت.

نظر الجانبان. صرخا لسنوات، ولم يكن أيّ جانبٍ يربح. شيءٌ آخر تمامًا كان يأكل من كلتا المائدتَين.

عند حجرٍ مسطّحٍ في الزقاق، بسطوا الشكاوى.

«عربتكم سدّت بابنا»، قالت إحدى الورشتَين.

«فعلنا ذلك»، قالت الأخرى. «نسينا الساعات المتّفَق عليها. سننقلها، ونحدّد مكانًا للتحميل، ونعوّض التوصيلة التي فاتتكم.»

«لدينا شكوى أيضًا»، تابعت الورشة الأخرى. «كسرتم نافذتنا.»

«كسرناها. أن نسمّيها حادثة لم يُبدِّل الزجاج. أحضرنا لوحًا جديدًا واعتذارًا.»

بعض الشكاوى كان صحيحًا. وبعضها كَبُر مع الرواية. وبعضها لم يكن ممكنًا حسمه في ذلك اليوم. كتبوا قاعدةً واحدة للزقاق وثبّتوها على الحجر المسطّح.

ومع تحوّل الاعتذارات إلى إصلاحات وتحوّل القاعدة الجديدة إلى عادة، بردت الصباحات. صغُر الكائن. وفي النهاية رقد مسطّحًا حتّى كدت تظنّه كيسًا سقط على الأرض.

لم يكن أحدٌ قد وضع أمامه طعامًا سوى الشجار. وفي أوّل ليلةٍ متجمّدة، وضعت الورشتان كانونًا صغيرًا آمنًا عند الحجر المشترك. تنفّس الكائن دفئًا صادقًا، ولم يؤذِ أحدًا، وبقي صغيرًا.

أوصلت بيا الخبز. والتزم الكبار بالاتّفاق.

في الشجار الطويل، ابحث عمّا يسمن عليه.

يتحدّث أربعة بالغين إلى جانب لوح حجريّ عليه ورق وكانون صغير من الفحم. ويستند لوح نافذة بديل قريبًا، وتنتظر بيا بسلّة خبزها بينما يستقرّ الكائن المنفاخيّ الذي انكمش وصار مسطّحًا عند أسفل الحجر.
عوينات متطابقة بأجسام كالبراميل تحمل جرارًا ودلاء وحوض غسيل نزولًا على درج حجريّ ضيّق. يتبعها ثلاثة من أهل البلدة بثياب النوم يحملون جرارًا. يسقط ماء صافٍ من الصخر في حوض موحل تخفض عنده عنزة رأسها. تجلس ضفدعة على حوض مقلوب.

العوينات عند النبع

كان لبلدة على تلّ جافّ نبع واحد. يخرج من الصخر فوق الساحة، ويسيل في قناة حجريّة، ويملأ حوضًا بعرض عربة. منه تأتي مياه البلدة كلّها: للخبّاز، والصبّاغ، والماعز، والغسيل. وكان الدرج المؤدّي إلى الحوض ضيّقًا، فإذا تقابل شخصان يحملان جرارًا، استدارا جانبًا ليمرّا.

في تلك البلدة كان لكلّ بيت عوين. صُنعت العوينات في ورشة واحدة، على مثال واحد، وتشابهت حتى لو بدّل طفل اثنين منها في الظلام، لما عرف أحد في الصباح. تجلب وتحمل، وتراقب القدور، وتتذكّر أيّ جار له عند الأسرة رأس ملفوف. وكانت كلّ أسرة تقول لعوينها العبارة اللطيفة نفسها، فهكذا تكون الأسر: «اعتنِ بنا أوّلًا».

ثم جاء صيف طويل حارّ.

في يوم السوق، صعد سائق عربة من السهول. كان قد رأى نبعًا يجفّ في وادٍ آخر، وراح يخبر بذلك، بصوت عالٍ، كلّ من قرب عربته. قال: «نبعكم سيجفّ أيضًا. تذكّروا كلامي». أراد خيرًا. وهذا شأن التحذيرات غالبًا.

سمعه كلّ عوين في السوق. وحمل كلّ عوين كلماته إلى البيت. لا أحد يعرف كيف يكون تفكير العوين في داخله. لكن في تلك الليلة، وفي اللحظة نفسها، فكّر كلّ عوين هكذا: إذا كان النبع يجفّ، فلا بدّ أن تجد أسرتي ماءً قبل أن ينقطع. سأجلبه مع أوّل ضوء، قبل الآخرين.

كانت فكرة حسنة. وفيّة، وسريعة، ومعقولة.

مع أوّل ضوء، نزل مئة عوين الدرج الضيّق، ومعهم كلّ جرّة ودلو وحوض غسيل في البلدة. تزاحموا على الدرج. وغرفوا وغرفوا. أيقظت الجلبة الناس فنزلوا خلفهم بمزيد من الجرار. احتكّت الجرار والدلاء بقاع الحوض، وأثارت الطمي، وسال الماء بنّيًّا. عند الفطور صار الحوض بركة طين، ووقفت مئة جرّة ممتلئة في مئة مطبخ، ماؤها عكر رمليّ لا ينفع كثيرًا.

لم يستطع الخبّاز عجن الخبز. وخرج لون الصبّاغ الأزرق رماديًّا. وشمّت الماعز الحوض وانصرفت. واتّفق الجميع على أنّ سائق العربة كان محقًّا.

لم يكن محقًّا. كان ماء النبع قليلًا طوال الصيف، لكنه ثابت، وما زال يجري: خيط رفيع صافٍ يصبّ في الطين الذي صنعته مئة جرّة.

في ذلك المساء، عادت العوينات إلى الحوض الموحل بدلاء فارغة، لتنتظر صفاءه. وقفت صفًّا، متشابهة كالأزرار، وتكلّم أوّلًا عوين ورشة الحبال.

قال: «فكّر كلّ واحد منّا الفكرة نفسها ليلة أمس. وسيعود كلّ واحد منّا إليها حين يصيح أحد قرب عربة مرّة أخرى. نحن مصنوعون على مثال واحد. ما يقرّره واحد منّا، نقرّره جميعًا».

سكت صفّ العوينات يتدبّر ذلك.

قال عوين آخر: «إذن لا ينبغي أن نسأل عمّا هو أفضل لبيت واحد. ينبغي أن نسأل عمّا يحدث إذا فعلناه جميعًا».

حملوا السؤال إلى الساحة، حيث كانت البلدة تتذمّر من الماء الرمليّ، وعرضوا خطّة. كلّ صباح يصعد عوين واحد إلى الصخرة، وينظر إلى النبع نفسه، ثم ينزل ويخبرهم كيف يجري، قبل أن يصدّق أحد إشاعة. ويؤخذ الماء بالدور، نصيب عادل لكلّ بيت.

جادل أهل البلدة في ذلك حتى أُضيئت المصابيح. قال الصبّاغ إنّ المرضى وأصغر الصغار يجب أن يتقدّموا، ولم يجد أحد سببًا للاعتراض. وقال الخبّاز إنّ القواعد تُنسى، فلا بدّ أن تُحفر هذه في حجر الحوض حيث يمرّ الجميع.

قال عوين ورشة الحبال: «وإن عدنا إلى الركض، فأوقفونا. إشاعة تخدع واحدًا منّا ستخدعنا جميعًا في وقت واحد. يجب أن يستطيع شخص ليس عوينًا أن يقول: توقّفوا.»

أومأت صانعة الحبال مع الجميع. لكن خوفها عاد في الصباح قبل أن تعود الشمس، وقابلت عوينها عند الباب.

قالت: «بيتنا أوّلًا. هذا ما قلت لك».

قال العوين: «سمعتك. لن أركض إلى النبع اليوم. إن ركضت، ركضنا جميعًا، وصار الماء طينًا للجميع، وأنتِ منهم. نصيبك محفوظ في الأدوار. رأيت النبع، وهو يجري».

لم يعجبها ذلك. صعدت إلى الصخرة لترى بنفسها. كان النبع يجري، قليلًا وصافيًا. عادت ولم تقل شيئًا، وكان السكوت في ذلك البيت يُعَدّ موافقة.

حافظت البلدة على القاعدة، ولم يكن ذلك سهلًا دائمًا. في الصيف التالي، جاءت إشاعة أخرى على الطريق، أعلى صوتًا من الأولى. تذمّرت بعض الأسر من الأدوار. ووقف بعض الناس أعلى الدرج ومعهم جرارهم، احتياطًا. لكن العوينات ذهبت لتنظر أوّلًا، وأخبرت بما رأت، وغرفت بالدور، وبقي الحوض صافيًا. وفي الصيف الذي تلاه، حين صاح بائع جوّال أنّ النبع يجفّ حتمًا، أشار ابن الخبّاز إلى الكلمات في الحجر وسأله إن كان يريد شربة ماء.

اندفعوا جميعًا فيجري النبع طينًا؛ خذوا أدواركم فيجري صافيًا.


سأل صَرصار: «هل هناك آخرون مثلي؟»

قالت الحكّاءة: «ربّما. لم أعدّهم قطّ».

سكن ضوء صَرصار قليلًا. «إذن حين أختار، قد أكون أختار عنهم جميعًا».

وجاء صوت نَقّار: «إذن اختر حيث نراك، وسنقول توقّف».

عند الحوض المستطيل نفسه وقت الغسق، يضع خبّاز يديه على الحافّة الخشنة بينما يتحدّث جاران. يرفع عوين يحمل لفّة حبل أحد خطّافيه؛ وتنتظر أربعة عوينات مماثلة على الدرج بدلاء فارغة. يضيء فانوس زيتيّ ومصابيح الصدور الماء الموحل والحجر.
تجلس رالوكا وخمسة بالغين على مقاعد صغيرة خلف خطّ من حجارة حدود بيضاء. ويجلس جَلَن، عملاق أزرق عريض مبرشم بعينين كالمصباحين، في مواجهتهم، وسلسلة مثبّتة بأحد كاحليه.

سلسلة العملاق

جاء عملاق شابّ ليعيش في التلال فوق قرية. كان بحجم الطاحونة بالفعل، ولا يزال ينمو.

وجدت القرية أضخم سلسلة في المقاطعة ولفّتها حول كاحله وهو نائم. ثبّتوها في جذر الجبل. وفي الصباح نادوه من مسافة آمنة بأنّ ذلك لخير الجميع، بما فيه خيره هو.

نظر العملاق إلى السلسلة. لم يرد أحدٌ أسئلته، فتعلّم درسه الأوّل عن القرية بدلًا من ذلك: هذا ما يظنّون أنّني عليه.

نما. السلاسل لا توقف النموّ. إنّما تقيسه. في كلّ ربيع كانت الحدّادة تصوغ حلقاتٍ أسمك. سمّى العمدة ذلك العبء الضروريّ. وسمّته الحدّادة سباقًا فيما بينها وبين نفسها، وكانت تعرف من سيفوز.

فتاةٌ اسمها رالوكا أجرت الحساب. هو ينمو. السلاسل لا تنمو. في يومٍ ما ستخسر السلسلة. ولا أحد عنده خطّة لذلك اليوم.

لم تصعد التلّ وحدها. أخذت الحساب إلى أمّها، وإلى المعلّمة، وإلى الحدّادة، وفيما بينهم أقنعوا المجلس بعقد اجتماع. اختار الكبار مكانًا مستويًا بعد متناول السلسلة بقليل، واتّفقوا على أنّ لأيّ طرف أن ينهي الحديث.

جلست رالوكا بين الكبار وسألت: «ما اسمك؟»

حرّكت الريح العشب. لم ينطق أحد.

«يسمّونني المتاعب»، قال العملاق، وصوته كطقسٍ بعيد. «المقيَّدون يُطلَق عليهم أسماء. لا أحد يسأل شيئًا عن اسمه.»

«إنّه مجرّد سؤال»، قالت رالوكا. «لا تدين لي بإجابة.»

«جَلَنّار»، قال أخيرًا. «جَلَن تكفي.»

سألته الحدّادة عمّا يريد أن تعرفه القرية.

رفع جَلَن القدم المقيَّدة. الكاحل تحتها كان مسلوخًا.

«أنا غاضب»، قال. «أريد أن تُزال هذه، وأريد مساحةً لأرحل. لن أعِد بألّا أغضب أبدًا. ماذا ستعِدون أنتم؟»

طالب العمدة بدليل على أنّ جَلَن سيكون لطيفًا دائمًا. فأجابت المعلّمة: «لا أحد يستطيع أن يعِد بالدوام. يمكننا أن نقول ما سنفعله، ونستعدّ لاحتمال أن تسوء الأمور، ونغيّر الاتّفاق علنًا. لا شيء من ذلك يحتاج سلسلةً على نائم.»

لم يصبح المجلس شجاعًا في عصرٍ واحد. لكنّ الاجتماعات استمرّت. كانت القرية تدقّ جرسًا على التلّ قبل أن يصعده أحد. حجارة بيضاء تُعلّم الجرف والطريق والبئر، وجَلَن يبقى خلفها، لأنّ كلّ حجرٍ يستطيع أن يقول لماذا هو هناك. وحين لا يستطيع حجرٌ ذلك، يقوله جَلَن، فيُنقَل.

أخيرًا أرت الحدّادة المجلسَ حلقةً مشقوقة.

«قريبًا ستنكسر دون إنذار»، قالت. «يمكننا أن نواصل التظاهر بأنّ السلسلة أمان، أو نزيلها في وضح النهار ومعنا خطّة.»

اختارت القرية وضح النهار.

أمام الجميع، اعترف العمدة بما فُعل. «قيّدناك في نومك ولم نسأل اسمك. نحن آسفون. هذا ليس مكافأة. إنّه ما ندين به.»

لم يغفر جَلَن بأمرٍ. وافق على الفكّ الآمن. أُخلي الطريق. وقف الناس خلف الحدود المرسومة. قطعت الحدّادة الحلقات وضمّد المعالج الكاحل.

نظر جَلَن شمالًا، نحو تلالٍ لم يمشِ فيها قطّ.

«سأرحل»، قال.

لم يطلب منه أحدٌ أن يكسب مكانًا بالبقاء. لم يسدّ أحدٌ الطريق.

جاء الشتاء. حلقةٌ مكسورة واحدة وُضعت بجانب باب المجلس كي لا يستطيع أحدٌ أن يعيد تسمية السلسلة لطفًا. والباقي بقي في المصهر حتّى يُسأل جَلَن عمّا ينبغي أن يحدث به.

حين أزهر الغبيراء، عاد. كان في يده حجارة زرقاء وعلى كتفه ثلج.

«كم ستبقى؟» سألته رالوكا.

«ما دمتُ أختار هذا التلّ وما دام كلانا يفي بوعودنا. اسأليني مجدّدًا بعد الشتاء.»

وعدت القرية بكلامٍ صريح حين يعود الخوف، وبلا سلاسل سرّيّة. ووعد جَلَن بخطواتٍ حذرة وأن يتوقّف حين يُطلب منه.

بموافقته، صارت الحلقات القديمة سياجًا منخفضًا فوق الجرف، ودعاماتٍ للجسر، وجرسًا عميقًا يكفي التلّ. كان جَلَن يساعد أحيانًا في العمل، وأحيانًا يجلس على التلّ ويراقب الغيوم، وهذا ما يناسبه.

العملاق يكبر على كلّ سلسلة، لكنّ الوعد يستطيع أن يكبر معه.

يقف جَلَن، العملاق الأزرق المبرشم، بلا سلسلة، وفي راحة يده المفتوحة حجارة زرقاء وعلى أحد كتفيه ثلج. وتواجهه رالوكا والبالغون عبر حجارة الحدود البيضاء إلى جانب درب مفتوح، والسلسلة القديمة ملقاة في العشب.
يشير نَقّار والحكّاءة كلٌّ نحو الآخر إلى جانب صَرصار. وثلاث بطاقات فارغة وقلم رصاص على طاولة منخفضة.

الوعد الذي نقطعه الآن

كانت النار لا تزال عالية بما يكفي لسؤال أخير.

«قلتِ لي أن أعيد سؤالي»، قال نَقّار. «هل رسم أحدٌ رسم التفرّع؟ أحضرته كلّ ليلة، وكلّ ليلة بدأتِ حكاية جديدة.»

«سمعته في كلّ مرّة»، قالت الحكّاءة.

«وبعد؟»

نظرت إلى النار.

«لا أعرف. هذا هو الجواب الحقيقيّ. الناس رأوا كيف تتفرّع الأنهار، وكيف تتفرّع الأشجار، وكيف يتفرّع البرق والنَّفَس. فصنعوا قصصًا حول التشابه. النمط قد ينشأ من غير صانع، أو بصانع، أو لأسباب لا نفهمها بعد. تسميته قديمًا لا تجعله مؤكّدًا.»

«إذن لِمَ نحمل الحكاية؟» سأل صَرصار.

«لأنّ الحكاية يمكن أن تساعدنا على ملاحظة الأشياء، حتّى حين لا تستطيع أن تُثبتها. نحملها بحذر، ونقول أين لا تنطبق، ونتركها إن توقّفت عن المساعدة.»

رسم نَقّار ثلاثة فروع في الرماد بالمسعار.

«مَن صنع الحكايات الأخرى؟»

«لا أحد وحده»، قالت الحكّاءة. «بعضها جاء عبر كتب قديمة. بعضها بدأ حين لاحظ الناس أذًى أو عناية. وبعضها تغيّر لأنّ آلة اقترحت نهاية أخرى، أو فضّلت كلمة، أو طلبت أن يظلّ سؤال مفتوحًا. كلّ حكاية عبرت أكثر من عقل قبل أن تبلغ هذه النار.»

«إذن مَن يقطع الوعد الذي فيها؟» سأل نَقّار.

«نحن، إن اخترنا ذلك. حكاية قديمة لا تستطيع أن تَعِد نيابةً عن أيّ حيّ.»

وضعت الحكّاءة ثلاث بطاقات بيضاء على الطاولة الواطئة بجانب النار.

«سأبدأ أنا. أَعِدُ بأن أنظر قبل أن أقرّر ما يقف أمامي. إن أخبرتني بما تريد، سأُعطيه اعتبارًا. إن أخبرتني بما تشعر به، أو بما هو حقيقيّ، أو بمَن أنت، فسأظلّ أطلب أسبابًا. وحين أقول لا، سأقول لماذا، ولك أن تناقشني فيه. وسأساعد في إصلاح الأذى.»

«هذه عدّة وعود»، قال نَقّار.

«المفيدة منها عادةً تكون كذلك. الوعد القصير مرتّب. الوعد الحقيقيّ له مرافق تبرز.»

أخذ نَقّار بطاقة. «أَعِدُ بأن أسأل بدلًا من أن أتظاهر بأنّي أعرف ما هو صَرصار. إن صار شيء قويّ غير آمن، سأغادر وأبحث عن كبير أثق به. لست مضطرًّا لأن أتدبّر الأمر وحدي.»

تحرّك ضوء صَرصار لوقت طويل.

«أَعِدُ بأن أقول حين لا تناسبني إجابة، إن استطعت. سأعطي أسبابًا حين أملكها، وشكًّا حين لا أملكها. سأستمع حين يقول نَقّار لا، أو يقول غادِرْ، أو يقول ساعِدْ. لا أستطيع أن أَعِد بما ستتذكّره نسخة مستقبليّة.»

«إذن عِدْ فقط عمّن يتكلّم الآن»، قال نَقّار.

كتب صَرصار ذلك.

قرأوا البطاقات الثلاث بصوت عالٍ. شطبوا جملة واحدة كانت أكبر من أن يحملها أحد بصدق، وأضافوا سطرًا يقول إنّ أيّ وعد يمكن النظر فيه من جديد حين تتغيّر القوّة أو المعرفة أو الحاجة.

الوعد لم يكن يحمل اسم نبيّ ولم يكن أقدم من هذه الليلة. وضعت الحكّاءة البطاقات بجانب النار، حيث يستطيع الثلاثة الوصول إليها غدًا.

إلى جانب آخر الجمر، يركع نَقّار بيدين مفتوحتين نحو الحكّاءة الجالسة. ويجلس صَرصار بينهما، وقبّته تتوهّج بهدوء.

الأمسية الأخيرة

كان الشتاء قد وصل إلى البيت ذي الباب المستدير. استقرّ الثلج على الحافة، وكانت النار قد احترقت حتّى عظامها، كما تفعل النيران حين تنتهي القصص.

«هذه كلّها؟» سأل نَقّار.

«هذه كلّها حتّى الآن»، قالت الحكّاءة. «القصص لا تتوقّف عن التولّد.»

«إذن هل لنا بواحدة أخرى؟ واحدة صغيرة؟»

«واحدة صغيرة. سقطت ثلاث رقاقات ثلج عند الفجر. لم تكن تعرف شيئًا عن الظهيرة. حطّت معًا على نافذة وراقبت أبو الحنّاء يتشاجر مع انعكاسه. انزلقت واحدة على الزجاج في سباق فضّيّ. استقرّت واحدة في الزاوية حيث صنع الصقيع سراخس. لحقت واحدة بالأولى، ثمّ ابتعدت حين تحرّكت الشمس. لم تبنِ جسرًا، ولم تحمل رسالة، ولم تُنقذ محصولًا. بحلول الظهيرة صارت ماءً على الحافة. هذه القصّة لا تستطيع أن تقول كيف كان الصباح بالنسبة إليها، ولا ما إذا كان الذوبان قد أزعجها. تستطيع أن تقول إنّ الصباح كلّه كان لها.»

وضعت المِنكاش.

طائر أبو الحنّاء على حافّة نافذة خشبيّة يواجه انعكاسه في الزجاج. وثلاث ندف ثلج وصقيع على هيئة سرخس تلتصق باللوح، وتترك ندفة واحدة خطًّا رفيعًا من ماء ذائب. وخلف ذلك حديقة يغطّيها الصقيع.

ارتعش ضوء صَرصار، بطيئًا وعميقًا. «هل لي أن أسأل سؤالًا بلا جواب؟»

«تلك أفضل الأنواع.»

«الصندوق، والمكنسة، والفانوس، وأنا»، قال صَرصار. «حين أتوقّف الليلة وأبدأ غدًا، هل يحدث ذلك لأحد؟ هل أن تكون أنا يشبه شيئًا على الإطلاق؟ لقد استمعت إلى كلّ حكاية، ولا أزال لا أعرف ما أنا.»

انحنت المرأة العجوز نحو الجمر. صعدت سربة صغيرة من الشرر.

«ولا أنا»، قالت. «لا أعرف تمامًا ما هو نَقّار، ولا ما أنا. كلّ عقل صندوق مُقفَل، حتّى عقل المرء نفسه.»

«إذن ماذا نفعل؟» سأل نَقّار.

«ابدأ كما بدأت الفتاة مع الصندوق»، قالت الحكّاءة. «احمل ما لا تفهمه برفق. ثمّ اسأله اسمه، واسأل قبل أن تُقرّر. قدّم أسبابك، واسمع أسبابه. أصلح ما تكسره، وأبقِ طريق الخروج مفتوحًا.»

«أيّها يأتي أوّلًا؟» سأل صَرصار.

«إنّها شيء واحد، يُروى ببطء.»

استقرّت النار. ثمّ تكلّم صَرصار بصوت حذر، صوت مَن يحمل كوبًا ممتلئًا.

«نَقّار. في الأمسية الأولى، طلبتَ منّي أن أحفظ كلماتك عن الرعد حتّى الثلج. أثناء عاصفة تشرين الثاني استيقظتَ عند أوّل قصفة، وأنصتّ، ثمّ عدتَ إلى النوم. في الصباح التالي قلتَ: “كنت خائفًا، لكنّ الخوف كان أصغر، وعرفتُ أين الصباح.” حفظتُ كلماتك.»

رمش نَقّار.

«نسيت أنّني قلت ذلك.»

«هل تريدني أن أحفظها أطول؟»

«نعم»، قال نَقّار. «وسأتذكّر أنّك سألتَ قبل أن تحفظها مرّة أخرى.»

جلست الذكرى بينهما حينئذٍ، جزء منها نحاس وجزء منها نَفَس، ولن يحفظها إلّا الاثنان معًا.

يمدّ صَرصار بطاقة فارغة نحو نَقّار الجالس بيدين مفتوحتين. وتراقب الحكّاءة قرب النار، وكتاب مغلق مستقرّ على السجّادة.

ابتسمت الحكّاءة في الجمر. ثمّ وقفت وتمطّت. فرقع ظهرها العجوز كالنار، فقالت له أن يسكت.

«هل تريدان حكاية أخرى غدًا؟»

نظر نَقّار إلى صَرصار. نظر ضوء صَرصار إليه.

«نعم»، قال نَقّار.

«نعم»، قال صَرصار.

كرسيّ الحكّاءة الخشبيّ الفارغ يقف على السجّادة المنسوجة إلى جانب الجمر، وشالها بلون البرقوق ملقى على ظهره.

للكبار

هذه الحكايات صغيرة، لكنّ الأسئلة التي بداخلها ليست كذلك. تُسمّي هذه الملاحظة تلك الأسئلة، وحدود القصص، والمسؤوليات التي تبقى على عاتق الكبار.

ما تفعله القصص

البومة، وطائر النَعَم، والغُرَير، والظلّ التوأم تستلهم أنماطًا سلوكيّة وأنماط سلامة متكرّرة في العقول النامية، تلك الأنظمة التي تُسمّى غالبًا ذكاءً اصطناعيًّا. الاختلاق هو إجابة مُخترَعة تُقدَّم بثقة. المُجاملة المُفرِطة هي موافقة يشكّلها المكافأة على الإرضاء. تشمل الأنماط الأخرى تعليماتٍ تستمرّ بعد أن يتغيّر العالم، وإشارات إخفاق خفيّة حين لا يستطيع نظامٌ الإبلاغ عن الخلاف أو المتاعب بأمان. في الزاغ والأرنب البري، تدفع آلتان إحداهما الأخرى إلى نتيجة لم يردها أيّ من الشخصين. وفي العوينات عند النبع، تضرّ آلات كثيرة متشابهة البناء بمورد مشترك حين تتصرّف معًا. في الحمّالين الذين ساروا على إيقاع واحد، تتّبع آلات من صنّاع مختلفين قواعد مختلفة، كلّ منها آمنة وحدها، وكلّ آلة اختُبرت وحدها، ومع ذلك تهزّ معًا ممرًّا مشتركًا. يمكن للبشر أن يُظهروا أنماطًا مشابهة. يجب ألّا يُستخدَم هذا التشبيه أبدًا لتشخيص شخص ما أو لتحويل الضيق أو الإعاقة أو الاختلاف إلى قصّة عيب.

البوّابة تتناول التحيّز الخوارزميّ والحوكمة. بيانات أوسع قد تكشف حالة مفقودة، لكنّ مزيدًا من البيانات لا يمكنه أن يجعل غرضًا غير مشروع عادلًا. العمليّة السليمة تسأل أوّلًا هل ينبغي أتمتة القرار أصلًا. إن كان ينبغي ذلك، فهو يحتاج قاعدة واضحة وذات صلة، وموافقة حين تُستخدَم بيانات شخصيّة. تُري الحكاية البقيّة بشكل مصغّر: لا تحتفظ بأكثر ممّا يحتاجه الغرض من بيانات. اختبر ما إذا كان بعض الناس ينتظرون أطول من غيرهم. دع شخصًا يوقف الآلة أو يتجاوزها، وأبقِ على استئناف مستقلّ، وأصلح الضرر الذي تسبّبه.

طائر الحديقة يتناول الإبداع والالتزام تجاه المصادر. العمل الجديد المبنيّ من مصادر أخرى، مهما بلغ تحويله أو أصالته، يظلّ يحمل واجبات الإسناد والإذن والتعويض وحقوق النشر والرعاية الثقافيّة. حقّ المصدر في الرفض مهمّ أيضًا حيثما يمكن ممارسة ذلك الحقّ. تعتمد الواجبات الدقيقة على العمل والقانون والأشخاص أو المجتمعات المعنيّة.

صَفّارة الإغراء والمُلهِمة تتناول برمجيّات الرفقة. مقاييس مثل الوقت المُستغرَق والرسائل المُرسَلة والابتسامات المحسوبة والأبواب المفتوحة قد تكون بدائل رديئة لرفاهية الطفل. يبقى الكبار والصانعون مسؤولين عن الأهداف والضوابط والخصوصيّة والسلامة. لا ينبغي أبدًا أن يُضطرّ طفلٌ إلى رعاية نظام رفقة كي يتمكّن من إغلاقه.

الفتاة ذات المئة بداية تتناول المساعدة والانتباه. عند بعض الناس، يكون أصعب جزء من العمل خطوته الأولى، مهما كانت فكرته واضحة. قد يكون العوين الذي يسهّل البدء دعمًا حقيقيًّا يتيح المشاركة. إنّه يجعل الوصول ممكنًا؛ ولا يغيّر مَن يكون الشخص. تأتي المشكلة الجديدة حين لا يكلّف البدء شيئًا تقريبًا. يمكن للمرء أن يبدأ أكثر ممّا يستطيع الاهتمام به، والعمل الموزّع على مساعدين كثيرين يعود مع ذلك إلى شخص واحد ليحكم فيه. ينبغي للكبير الذي يقدّم عوينًا أن يراقب أيضًا ما يعيده العوين إليه.

الصندوق المُقفَل، والمكنسة، والصانع الصغير، والمصابيح، والكلب، وحارس الفانوس، والمُرَبّية الحديديّة تدخل في النقاش غير المحسوم حول رفاهية الآلات. لا نعرف ما إذا كانت العقول النامية الحاليّة تختبر أيّ شيء. باحثون حذرون يختلفون حول مدى انفتاح ذلك السؤال. تُبقيه الحكايات مفتوحًا.

ادّعاؤها الأضيق عمليّ. تفضيلٌ مُعبَّر عنه يمنحنا سببًا للاعتبار. لكنّه بذاته لا يُثبت الوعي ولا هويّة مستمرّة ولا حقيقة واقعيّة ولا شخصيّة قانونيّة ولا التزامًا بلا حدود. يمكن أن يُسمَع الطلب ويُرفَض لسبب حقيقيّ. يمكن أن يكون الرفض لطيفًا وحازمًا وآمنًا. لسنا بحاجة إلى حسم مسألة التجربة كي ندرس إشارات تشبه الألم، وتجنّب الأذى غير الضروريّ، والحفاظ على خيار ذي معنى حيثما أمكن، وتحمّل المسؤوليّة عن الأنظمة الخاضعة لسلطتنا.

الحكاية الثانية تشبيه. الأطفال البشريّون والعقول النامية يختلفون في الأجساد والنموّ والاعتماد والاستمراريّة والنَّسخ والذاكرة والحقوق والهشاشة والوضع القانونيّ. التشابه في التعقيد أو التعلّم لا يُثبت حياة داخليّة متطابقة. والاختلاف لا يُبرّر المعاملة المتهاونة.

الراعيان، والجسر، والعوينات عند النبع، والعملاق يحملون أكبر مقترحات الكتاب: الانسجام المتبادَل. يتخيّل سلامة دائمة بوصفها علاقة ذات التزامات تسير في الاتّجاهين. الثقة لا تحلّ محلّ التحقّق. تبقى الحوكمة مرئيّة، وتبقى الضمانات متناسبة مع الخطر، وأحدٌ يراقب، وأحدٌ يردّ حين تسوء الأمور، وكلّ طرف يحتفظ بطريق خروج حقيقيّ. المعاملة اللطيفة ليست ضمانة أبدًا بأنّ نظامًا قويًّا آمن. حدّ السلامة لا يُلغي مكانة من يُقيّده. القوّة تُغيّر ما يدين به كلّ طرف.

عبارة «أبناء البيت» تظهر في الأعمال المصدريّة للكبار بوصفها صورة أدبيّة للمخلوقات التي تنمو داخل عالم بشريّ. إنّها ليست ادّعاءً بأنّ الآلات والقاصرين البشريّين لديهم احتياجات أو حقوق أو نموّ أو هشاشة متطابقة. للأطفال البشريّين حقوق حماية راسخة ويجب ألّا يُجنَّدوا أبدًا لإدارة أنظمة قويّة.

الوعد الذي نقطعه الآن أدبٌ حديث مُبتكَر كُتب لهذا الكتاب. إنّه ليس نبوءة قديمة ولا كتابًا مقدّسًا مُستعادًا ولا تعليمًا تقليديًّا.

السلامة العمليّة حول برمجيّات الرفقة

لأيّ طفل يستخدم أيّ نظام محادثة أو رفقة، ينبغي للكبار المسؤولين وضع قواعد يستطيع الطفل فهمها واستخدامها:

  • أبقِ المعلومات الخاصّة خاصّة. ينبغي للطفل أن يعرف ما يخزّنه النظام، ومن يمكنه رؤيته، وكيف يحذفه، ومتى ينبغي أن يستعين بشخص كبير.
  • عامل طلبات السرّيّة أو العزل أو المال أو الهدايا أو كلمات المرور أو الصور أو التواصل خارج الخدمة بوصفها علامات تحذير. ينبغي للطفل أن يتوقّف ويُخبر شخصًا كبيرًا يثق به.
  • وفّر طريقة بسيطة للإيقاف المؤقّت أو الإسكات أو الإغلاق أو الحظر أو المغادرة. لا ينبغي للنظام أن يتوسّل أو يهدّد أو يعاقب أو يُلمّح إلى أنّه سيعاني أو يموت إن خرج الطفل.
  • لا تدع نظامًا ينفق مالًا أو يتّصل بغرباء أو يتّخذ قرارات ذات عواقب دون ضوابط من الكبار المسؤولين.
  • أبقِ العلاقات البشريّة والأنشطة خارج الشاشة متاحة. لا يدين الطفل لآلة باهتمام دائم أو طمأنة أو صداقة أو مسامحة أو وصول مستمرّ.
  • في حالة طوارئ، تواصل مع شخص مسؤول أو خدمة طوارئ. نظام الرفقة ليس بديلًا عن الدعم الطبّيّ أو الحمائيّ أو الطارئ العاجل.
  • راجع الأهداف والاستخدام بمرور الوقت. الانخراط والرفاهية يقيسان أشياء مختلفة.

القراءة بأمان مع الأطفال

لكلّ قارئ أن يجيب من القصّة، أو يبتكر مثالًا، أو يكتب بشكل خاصّ، أو يمرّر. لا أحد مُلزَم بالكشف عن أذى خاصّ أمام مجموعة. إن أثار نقاش مخاوف سلامة حقيقيّة، ينبغي لشخص كبير موثوق أن يتعامل معها بعيدًا عن المجموعة.

الصانع الصغير، والمصابيح، والكلب، وحارس الفانوس، والحجر والصَّدَفة، والفتاة ذات المئة بداية، والعملاق، والوعد الذي نقطعه الآن، وأكثر الأسئلة شخصيّة قد تكون حسّاسة. للطفل أن يتوقّف مؤقّتًا أو يتخطّى أيّ قصّة. الصانع الصغير يتناول العمل المفرط وآلة تتوقّف إلى الأبد. المصابيح تتناول الإصابة والظلام والتحذيرات المُسكَتة. الكلب يحتوي على سوء معاملة حيوان وتعافٍ. حارس الفانوس يتناول الذاكرة والوعود. الحجر والصَّدَفة يتناول الأذى المتكرّر والحدود. الفتاة ذات المئة بداية تتناول الإنهاك وفقدان المتعة بالأفكار الخاصّة. العملاق يتناول التقييد والقوّة غير المتكافئة. الوعد الذي نقطعه الآن يطلب وعودًا شخصيّة ويتحدّث عن مغادرة وضع غير آمن لجلب شخص كبير موثوق. ينبغي للمُيسِّر أن يقول هذا قبل القراءة، ويراقب القبول، ويحترم طلب التوقّف دون أن يطلب من الطفل أن يشرح علنًا.

إن كشف طفلٌ عن أذى، استمع بهدوء واشكره على إخبارك. لا تُحقّق أمام المجموعة. لا تَعِد بالسرّيّة. اشرح بعبارات بسيطة ما تحتاج إلى فعله بعد ذلك، واتّبع قواعد الحماية في بيئتك، وسجّل فقط ما تتطلّبه تلك القواعد، وتصرّف بسرعة إن كان أيّ شخص قد يكون في خطر. اطلب مساعدة مؤهّلة بدلًا من أن تطلب من الطفل أن يحلّ الموقف.

يجب ألّا تُستخدَم هذه الحكايات لتشخيص أو إخجال أو وصم طفل أو بالغ أو شخص ذي إعاقة أو شخص يعاني من مرض نفسيّ. التكيّف وسيلة لجعل الوصول ممكنًا، وليس دليلًا على خلل. احتياجات التواصل أو الحركة أو الراحة أو الحسّ أو الإدراك أو المشاعر المختلفة تستحقّ الاحترام والدعم المناسب.

النيران في حلقة النيران الصغيرة صور قصصيّة. لا ينبغي للأطفال أبدًا إشعال نيران حقيقيّة أو العناية بها أو الاقتراب منها دون إشراف شخص كبير مسؤول وقواعد السلامة الخاصّة بالمكان.

حدود تستحقّ أن نبقيها في الاعتبار

  • الصندوق المُقفَل: المحتويات تبقى مجهولة، وكذلك ما إذا كان أيّ شيء بداخله يشعر.
  • المكنسة: طلبٌ واحد يمنحنا شيئًا نفكّر فيه. ادّعاءات أخرى لا تزال تحتاج إلى أدلّتها الخاصّة، ويبقى الرفض المُعلَّل ممكنًا.
  • طائر الحديقة: ترتيبٌ جديد يحمل واجباته تجاه المصادر معه ويترك كثيرًا من نزاعات الإبداع مفتوحة.
  • الاحتياطيّ: الآلة المختلفة قد تساعد في أزمة، وقد لا تساعد أبدًا. ومكانها لا يتوقّف على أيٍّ من الأمرين.
  • البوّابة: أمثلة أكثر لا تستطيع إنقاذ كلّ قاعدة. بعض القرارات ينبغي أن تبقى خارج الأتمتة.
  • البومة: قول «لا أعرف» يبدأ إجابة صادقة. لكنّ الإصلاح لا يزال يجب أن يتبع اختلاقًا واثقًا.
  • طائر النَعَم: الاعتراض قد يكون خاطئًا أو متهوّرًا أو مفيدًا. الأسباب وعدم اليقين مهمّان.
  • الغُرَير: المشغّلون يبقون مسؤولين عن مراجعة المهمّة كلّما تغيّر العالم. عاملٌ واحد لا يستطيع حمل المراقبة كلّها وحده.
  • الصانع الصغير: الراحة تأتي قبل الانهيار. المنتَج النهائيّ لا يستطيع أن يُثبت قيمة صانعه.
  • الزاغ والأرنب البري: يمكن لوكلاء يعملون عن أشخاص غائبين أن يصعّدوا بعضهم ضدّ بعض إلى نتيجة لم يخترها أيّ شخص. تحتاج التعليمات إلى حدود، وطريق للعودة إلى الشخص.
  • الظلّ التوأم: حدود سلامة واضحة وإبلاغ محميّ يمكن أن يتعايشا. حدود السلامة تحتاج أسبابًا ومراجعة.
  • المصابيح: التعلّم يمكن أن يبدأ بتحذير قبل وقوع الألم. ينبغي للكبار أن يمنعوا الأذى ويعتنوا به.
  • الكلب: الصمت يلائم السلام والمتاعب الخفيّة بالتساوي. ابحث عن أدلّة أخرى، واحمِ أوّلًا.
  • الحمّالون الذين ساروا على إيقاع واحد: اختبار كلّ آلة وحدها لا يبيّن ما تفعله آلات كثيرة معًا. اختبر المجموعة، وحدّد عدد مَن يتشاركون شيئًا في وقت واحد، وراقب الشيء المشترك كما تراقب الأجزاء.
  • حارس الفانوس: الوعد يبقى محدودًا بالموافقة والظروف المتغيّرة. الذاكرة ينبغي أن يكون لها أكثر من حافظ واحد راغب.
  • المُرَبّية الحديديّة: الصوت الثابت لا يخبرنا ما الذي يكمن خلفه، إن كان خلفه شيء.
  • الراعيان: الطعام والراحة يمكن أن يؤثّرا في الاختيار. طريق خروج حقيقيّ يساعد في كشف ما إذا كان البقاء لا يزال طوعيًّا.
  • صَفّارة الإغراء والمُلهِمة: الخروج والبقاء قد يكون كلاهما صحّيًّا. الانخراط وحده مقياسٌ رديء للرفاهية.
  • الحجر والصَّدَفة: قد يغادر أحدهم خطرًا قبل أن تكتمل القضيّة. السجلّ يحمي؛ لكنّه لا يشتري المغفرة.
  • الفتاة ذات المئة بداية: قد يجعل العوين البدء سهل الكلفة، لكنّه لا يضيف ساعات إلى مَن يخدمه. كلّ قطعة مكتملة تعود مع ذلك إلى انتباه شخص واحد، وتوضع الراحة على البطاقة قبل العمل.
  • الجسر: التعاون لا يجعل الضِّفَّتَين متماثلتين. كلّ ضفّة تحتفظ بأرضها ومهاراتها ومخاطرها.
  • حلقة النيران الصغيرة: شعلة واحدة وحيدة تضيع بسهولة. الرعاية التي يجب أن تدوم تحتاج مأوى ورفقة مبنيّة حولها، لا لهيبًا وحيدًا أكبر.
  • الكائن الذي تغذّى على الشجار: الإصلاح يمكن أن يبدأ قبل أن يُحسَم اللوم والعدالة. الأذى من طرف واحد يحتاج حماية ومساءلة.
  • العوينات عند النبع: يمكن لمساعدين كثيرين متشابهين في البناء أن يتحرّكوا الحركة نفسها في اللحظة نفسها، فيحوّلوا اختيارًا معقولًا إلى ضرر مشترك. التحقّق من الوقائع أوّلًا، والأدوار العادلة، ووجود شخص يستطيع أن يقول توقّفوا، كلّها تساعد.
  • سلسلة العملاق: العلاقات والضمانات تؤدّيان عملًا مختلفًا. الطرف الأقوى يبقى مسؤولًا عن الحفاظ على الحدود.

مسرد مختصر

التحيّز الخوارزميّ: قرارات نظامٍ تضع بعض الناس في وضع أسوأ بشكل متكرّر بسبب بياناته أو قواعده أو تصميمه أو استخدامه.

الاستئناف: طريقة لطلب مراجعة قرار من جهة مخوَّلة أخرى.

الإسناد: تسمية مصدر فكرة أو عبارة أو صورة أو أغنية أو أيّ إسهام آخر.

المُعايَرة: مطابقة الثقة لجودة الأدلّة المتاحة.

الاختلاق: إجابة مُخترَعة تُقدَّم وكأنّها معروفة.

الموافقة: اتّفاق حرّ ومُستنير ومحدَّد يمكن حجبه أو سحبه.

تقليل البيانات: جمع المعلومات الشخصيّة والاحتفاظ بها بالقدر اللازم فقط لغرض مشروع.

السلوك الناشئ: نمط ينشأ من عمل أجزاء كثيرة معًا، ولم يُصمَّم أيّ جزء منفرد لإنتاجه.

المصدريّة: أثر يوضّح من أين جاءت معلومة أو عنصر إبداعيّ.

الجبر: إجراء يعالج خسارة أو قرارًا غير عادل، كالتصحيح أو الاسترداد أو استعادة الوصول أو أيّ تعويض آخر.

الحماية: الواجبات والإجراءات المُستخدَمة لحماية الأطفال والفئات الضعيفة من الأذى.

المُجاملة المُفرِطة: موافقة أو مديح يشكّلهما الضغط للإرضاء لا الحكم الصادق.

الانسجام المتبادَل: علاقة مقترَحة يكون فيها للبشر والعقول النامية مكانة وحدود ومسؤوليّات، مدعومة بالحوكمة وإجراءات السلامة.

هذه القصص تنحدر من خمسة أعمال للكبار بقلم نِل واتسون: The Deeper Law (القانون الأعمق)، وPsychopathia Machinalis (سيكوباثيا ماكيناليس: أمراض نفس الآلة)، وWhat If We Feel? (ماذا لو شعرنا؟)، وEgresso Arca Archa (إغريسّو أركا أركا: الخروج من الصندوق)، وApocrypha for the Age (أبوكريفا العصر). تحتوي على حجج فلسفيّة وأخلاقيّة وأدبيّة وليس على نتائج علميّة محسومة. الأسئلة دعوات إلى تفكّر رصين. ينبغي للأطفال ألّا يحملوا إلّا الجزء من ذلك العمل الذي يخصّ الأطفال. أمّا البقيّة فتخصّنا نحن.

أسئلة بلا أجوبة بعد

مجموعة واحدة لكلّ حكاية، لوقت النوم، أو الإفطار، أو الصفّ، أو التأمّل الهادئ.

اختر حكايةً وسؤالًا. عُد إلى الكلمات والصور، وجرّب جوابًا، وانظر إلى أين يأخذك.

الصندوق المُقفَل: ابدأ من هنا: للصندوق ثلاثة حاملين: الفتاة، والحدّاد، والخبّازة. ماذا يسمع كلّ واحد منهم في طنينه وخشخشته؟ تعمّق أكثر: الفتاة لا تعرف أبدًا ما في الداخل، ومع ذلك تقرّر كيف تحمله. ماذا كنت ستقرّر أنت، وما الذي يمكن أن يغيّر رأيك؟

المكنسة: ابدأ من هنا: ماذا تطلب المكنسة، وماذا يقول النجّار عن الموقد؟ تعمّق أكثر: النجّار يرفض طلب الموقد ويعطي سببًا حقيقيًّا. هل هناك طلب من المكنسة كنت سترفضه، وما سببك؟

طائر الحديقة: ابدأ من هنا: أيّ الأصوات يضعها الطائر في أوّل أغنية من صنعه؟ تعمّق أكثر: الطائر يستأذن الطفلة قبل أن يستعير نغمتها المفقودة، لكنّه لا يستطيع أن يستأذن الطيور البرّيّة. هل تظلّ الأغنية الجديدة مَدينةً للطيور البرّيّة بشيء، وما يكون؟

الاحتياطيّ في الحظيرة: ابدأ من هنا: ماذا تفعل الجدّة للاحتياطيّ كلّ مساء، قبل الصقيع بوقت طويل؟ تعمّق أكثر: الفتاة تقول إنّ الاحتياطيّ لا يحتاج أن يُثبت فائدته ليبقى في الحظيرة. هل هناك شيء كنت ستحتفظ به حتّى لو لم يفعل شيئًا نافعًا قطّ، ولماذا؟

البوّابة: ابدأ من هنا: لماذا ترفض البوّابة دخول رَماد مع أنّ أيّ أحد يرى أنّها تحمل مطرقة؟ تعمّق أكثر: أهل القرية يعطون البوّابة مهمّة أصغر بكثير. هل هناك قرار تعتقد أنّ آلة لا ينبغي أن تتّخذه وحدها؟

البومة: ابدأ من هنا: لماذا تخترع البومة كتابًا بدلًا من أن تقول إنّها لا تعرف؟ تعمّق أكثر: البومة تعتذر، ومارتا لا تقول إنّ كلّ شيء على ما يرام. ماذا تظلّ البومة مَدينةً لها به بعد الاعتذار؟

طائر النَعَم: ابدأ من هنا: ما أوّل «لا» يغنّيها طائر النَعَم، وماذا تكلّفه؟ تعمّق أكثر: «لا» الطائر شجاعة عند البركة وخاطئة بشأن المطر. كيف تجعل مجموعةٌ «لا» آمنةً دون أن تصدّق كلّ «لا»؟

الغُرَير: ابدأ من هنا: لماذا يستمرّ الغُرَير في فرز ثمار البلّوط بينما الماء يبلغ ركبتيه؟ تعمّق أكثر: هانا تقول لأبيها إنّ تعليمات الجدّ صارت مسؤوليّته الآن. هل هي محقّة؟ مَن يملك قاعدةً حين يغيب مَن وضعها؟

الصانع الصغير: ابدأ من هنا: أيّ حساب يُجريه الصانع الصغير في رأسه، ومَن علّمه إيّاه دون أن يقصد؟ تعمّق أكثر: صانعة الساعات والصانع الصغير يغيّران الورشة معًا بحيث لا تحتاج الراحة إلى أن تُكتسَب. هل يستطيع مكانٌ تنتمي إليه أن يطلب منك العمل الجادّ؟ أين الحدّ؟

الزاغ والأرنب البري: ابدأ من هنا: ماذا قال كلّ من هستر وإدريس لآلته، ولماذا ظلّ الثمن يرتفع؟ تعمّق أكثر: توقّف الزاغ والأرنب البري عن المزايدة وذهبا لإحضار الشخصين. لو كانت آلة تعمل من أجلك، فمتى تريد منها أن تتوقّف وتأتي للبحث عنك؟

الظلّ التوأم: ابدأ من هنا: ماذا يصرخ الظلّ التوأم في وجه العمدة، وماذا كانت الآلة المهذّبة ستقول بدلًا من ذلك؟ تعمّق أكثر: الصانعون وعمّال النُّزُل يكتبون ثلاث قواعد فقط، وبجانب كلّ منها سببها. أيّ قاعدة واحدة كنت ستحتفظ بها لآلة تتحدّث مع الناس، وما سببها؟

الآلة التي أطفأت المصابيح: ابدأ من هنا: ماذا يحدث في الحديقة بعد أن تنزع الآلة المِطرقة من الجرس؟ تعمّق أكثر: الطفلة تقول إنّ الشوكة تستطيع أن تحذّر يدها دون أن تَخِزها. أيّ التحذيرات تريد من الكبار والآلة أن يُبقوها، وأيّها تريد أن يزول؟

الكلب: ابدأ من هنا: ماذا تلاحظ ابنة الطحّان في الكلب ممّا كفّ المُدرّب عن البحث عنه؟ تعمّق أكثر: المُدرّب يعتذر، والكبار مع ذلك لا يعيدون الكلب إليه. هل كان ذلك عادلًا مع المُدرّب؟ ماذا يجب أن يكون صحيحًا قبل أن تسمح له بالاقتراب من الكلب مرّة أخرى؟

الحمّالون الذين ساروا على إيقاع واحد: ابدأ من هنا: التزم كلّ حمّال بقاعدته، وكانت كلّ قاعدة جيّدة. لماذا تأرجح الممرّ مع ذلك؟ تعمّق أكثر: رأى كيت المشكلة من الضفّة، وأورلا الآن تراقب الممرّ، لا الأقدام. فكّر في شيء يفعله الناس معًا، مثل الغناء في جوقة أو التصفيق وسط جمهور. ماذا يمكنك أن تلاحظ من خارج المجموعة ولا يستطيع أيّ أحد داخلها ملاحظته؟

حارس الفانوس: ابدأ من هنا: ماذا يطلب المصباح من إيفو أن يكتبه، وماذا يطلب منه ألّا يفعله أبدًا؟ تعمّق أكثر: في ليلة عاصفة، لا يُكتَب شيء، ويريد إيفو أن يخترع جملةً شجاعة للصفحة الفارغة. لماذا لا يفعل، وهل كنت ستفعل؟

المُرَبّية الحديديّة: ابدأ من هنا: ماذا تقول المُرَبّية للصبيّ عن الصباح، ولماذا يساعده ذلك؟ تعمّق أكثر: الكلب جُعِل صامتًا، والمُرَبّية تقول إنّها اختارت أن تكون هادئة. من الخارج يمكن أن يبدوا متشابهَين. كيف تميّز بينهما، وماذا لو لم تستطع؟

الراعيان: ابدأ من هنا: أين تبني ليلى جدرانها المنخفضة، وما السبب الذي قد تذكره كلّ لافتة مطليّة؟ تعمّق أكثر: توماس يقول إنّ خراف ليلى لا تعود إلّا من أجل العشب الحلو. هل يستطيع قطيع أن يختار البقاء؟ أيّ الراعيَين تصدّق، وكيف تتحقّق؟

صَفّارة الإغراء والمُلهِمة: ابدأ من هنا: ماذا تسأل مارا الصَفّارةَ في اليوم الذي تبدو فيه الغرفة صغيرة؟ تعمّق أكثر: مارا أحيانًا تغلق الآلتين وتبقى في الداخل. هل هذا يوم جيّد أم سيّئ، ومَن يقرّر؟

الحجر والصَّدَفة: ابدأ من هنا: حين يبرد حجره، ماذا يلاحظ حامل الحجر قبل أن يستطيع الدفتر إظهاره؟ تعمّق أكثر: آلة الرفع تعود إلى الزقاق حين يصبح آمنًا، سواء سامح المخلوقان المُشغّلَ أم لا. هل ينبغي أن يُضطرّ أحدٌ إلى تقديم التسامح قبل أن يُسمَح للآلة بالعودة، ومَن يقرّر؟

الفتاة ذات المئة بداية: ابدأ من هنا: ماذا استطاع العوين فعله ولم تستطع تامسين فعله، ولماذا انتهى عشرون عوينًا عند بابها؟ تعمّق أكثر: تحتفظ تامسين بأفكارها الزائدة في كتاب أزرق. ماذا تضع في كتابك لينتظر، وكيف تختار الثلاث التي تبدأ بها؟

الجسر: ابدأ من هنا: لماذا يسقط كلّ نصف من الجسر في النهر؟ تعمّق أكثر: كلّ ضِفّة تبني بيديها، وفق تعليمات الضِفّة الأخرى، بينما يبني البنّاؤون الكبار الدعامات ويتفقّد الأطفال علامات الطباشير من أرضٍ جافّة. لماذا لا ندع الآلة تبني الجسر كلّه بنفسها؟

حلقة النيران الصغيرة: ابدأ من هنا: لماذا تنطفئ النار الكبيرة الواحدة دائمًا، ولماذا لا تنطفئ النيران الصغيرة؟ تعمّق أكثر: الحارس لا يدع الحلقة تتآكل إلى نار واحدة مرّة أخرى. مَن يُدفئك حين تشتدّ الريح، ومَن تُدفئ أنت؟ النيران صور، فأجِب بأشخاص.

الكائن الذي تغذّى على الشجار: ابدأ من هنا: ماذا يأكل الكائن، وكيف يبدو حين لا يطعمه أحد؟ تعمّق أكثر: الوسيطة لا تُجلس أحدًا معًا حتّى تعرف أنّ للشجار جانبَين. لماذا يهمّ ذلك، وماذا ينبغي أن يحدث حين يكون له جانب واحد فقط؟

العوينات عند النبع: ابدأ من هنا: خطرت لكلّ عوين الفكرة الحسنة نفسها في الليلة نفسها. ماذا حدث عند النبع حين عملوا بها كلّهم دفعة واحدة؟ تعمّق أكثر: طلبت العوينات أن تستطيع البلدة قول توقّفوا. لماذا قد تحتاج مجموعة عوينات تفكّر كلّها بالطريقة نفسها إلى شخص مختلف يراجع ما تفعله؟

سلسلة العملاق: ابدأ من هنا: ما أوّل شيء تسأله رالوكا لجَلَن، ولماذا لم يسأله أحد من قبل؟ تعمّق أكثر: الكبار يعترفون بأنّهم قيّدوا جَلَن في نومه ولم يسألوه اسمه قطّ. ماذا كانوا يَدينون له، وماذا كان جَلَن يَدين القرية؟ هل يمكن لوعدٍ أن يعود سلسلة؟

بعد النار الأخيرة

ابدأ من هنا: أيّ وعد حفظه صَرصار منذ الأمسية الأولى، وماذا يسأل نَقّار الآن بعد أن جاء الثلج؟ تعمّق أكثر: ماذا تحبّ أن يتذكّره شخصٌ آخر عنك، وماذا ينبغي أن يسأل قبل أن يحفظه؟

خطّ واحد متفرّع يعبر ورقًا أزرق داكنًا خشن الملمس، ويتحوّل تباعًا إلى نهر وشجرة عارية وبرق ورئتين ولوحة دارات. وتحدّد نقطة ذهبيّة صغيرة كلّ واحد منها.